سبحانه :
( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً )
[ النساء : 10 ] .
ومما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضى اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال :
" اجتنبوا السبع الموبقات ، قالوا : يا رسول اللّه وما هن ؟ قال : الشرك باللّه ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم اللّه إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات " « 1 » والشاهد هنا في " وأكل مال اليتيم " فقد جاء في الحديث الشريف في جملة موجزة ؛ لأنه ضمن أشياء سبعة يحذر منها ويدعو لاجتنابها ، ومن ضرورات الخطاب التربوية أن يذكرها متوالية مجملة حتى لا ينسى بعضها بعضا فيما لو بسط واحدا منها وفصل فيه ، لهذا جاء أكل مال اليتيم مركبا إضافيا في حكم الكلمة الواحدة المعطوفة على ما قبلها للتشريك في الحكم وهو التحذير من السبع الموبقات والأمر باجتنابها .
أما الآية القرآنية فلم تكن كذلك ، ولكنها عبارة عن جملة كاملة خبرية مؤكدة ، ويلفتنا فيها أنه لم يكتف بالتأكيد في صدرها حتى عاد لتأكيد مضمون الخبر الذي هو حكم وجزاء زاجر
( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً )
على أنه نص هنا على الظلم الدال على أن ذلك الأكل ليس لحاجة ولا هو بالمعروف ولكنه مجرد جشع ، لهذا كان الخبر تفظيعا من المصير الشنيع في الدنيا :
( إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً )
والعذاب الأليم في الآخرة :
( وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً )
، وهذا العطف يدل على أن النار في الجملة الأولى ليست نار الآخرة وإلا لكان من التكرار وعطف الشيء على نفسه ، وإنما المقصود بالجملة الأولى تعجيل العقوبة في الدنيا إلى جانب عذاب الآخرة على سبيل التحذير الشديد من نتيجة الأكل الظالم لأموال اليتامى ، فإن من يقومون عليه لا تطيب به أبدانهم ولا تزيد ، وإنما تتلظى وتسقم وكأنهم يضعون في بطونهم نارا حارقة ، فالتعبير بالنار يسهم في التشنيع والتفظيع المقصود ، وكذلك التعبير بالأكل ، لأن الانتفاع بمال اليتيم عموما حرام سواء كان أكلا أو لبسا أو ترفها ، وإنما عبر
هامش
( 1 ) مختار الأحاديث النبوية 195 ، 196 .