تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
والتأليف ، فالمعنى القرآني في جملة أوجز مما جاء عليه الحديث ، ومع أن البيان النبوي سواء كان عن اللّه سبحانه أو عنه صلى اللّه عليه وسلم يأتي موجزا ومن جوامع الكلم ، فإنه يعد إطنابا بالقياس إلى البيان القرآني الذي جاء أوجز وأكثر تركيزا للمعنى مما يدل على نسبية الإيجاز ، وأن الكلام قد يكون موجزا لكنه يكون إطنابا بالقياس إلى كلام آخر أوجز منه في المعنى نفسه . 4 - ثم إن هناك سمة أخرى مطردة في البيان القرآني ، وهي هنا ظاهرة جدا ، تلك السمة هي ظهور الطابع الإلهي الماثل في أمر الجميع
( فَاذْكُرُونِي )
مقرونا بالجزاء للجميع
( أَذْكُرْكُمْ )
فطلب الذكر من جميع الخلق بلفظ الأمر مقرونا بجزائه فورا لا يكون إلا من القوى القادر العزيز القاهر ، أما البيان النبوي فيظهر فيه بجلاء الطابع البشرى ابتداء من الحكاية والنقل عن اللّه سبحانه في : " يقول اللّه " ثم في الصياغة التي جاءت على النحو السالف حين ذكر المعنى مرتين : مرة مجملا في جملة واحدة ، ومرة مفصلا في جملتين ، فيكون المجموع ثلاث جمل ، بينما جاء المعنى في القرآن من جملة واحدة هي الأمر وجوابه . وهناك فرق مهم هو أن الجملة القرآنية التي سلفت :
( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ )
عبارة عن حلقة في سلسلة من المعاني القرآنية المتصلة ، وهذه الحلقة لها وظيفة في ذاتها ، ووظيفة في سياقها ، مع التفاعل في هذا السياق ومع سائر الحلقات « 1 » ، بخلاف المعنى في البيان النبوي فهو معنى قائم بذاته . 5 - على أن المعنى قد يرد في الحديث النبوي مجملا ، وفي القرآن الكريم مبسوطا ، وهذه حالة نادرة تعود إلى خصوصية في المعنى القرآني لا يوجد نظيرها في المعنى النبوي . خذ مثلا التحذير من أكل أموال اليتامى : يقول
هامش
( 1 ) بمراجعة السياق . . الآية 151 ، 152 من سورة البقرة نجد الأمر :( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ )قبله أعظم النعم التي تستحق الذكر والشكر :( كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ )[ البقرة : 151 - 152 ] . فإن الأمر بالذكر والشكر هنا لما سبقه من نعم عظيمة ، ومع هذا فقد وعد سبحانه بمكافأة لهذا الذكر ، لأن المقصود بقوله :( أَذْكُرْكُمْ )ما يستلزمه من الإكرام والإنعام .
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 194 | محمد ابراهيم شادي