3 - فروق في الإيجاز والصياغة : قال تعالى :
( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ )
[ البقرة : 152 ] . وفي الحديث القدسي الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة رضى اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : يقول اللّه عز وجل : ( أنا عند ظن عبدي بي إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه . . . " « 1 » والحديث القدسي من البيان النبوي ، لأنه حكاية معنى ما قاله اللّه سبحانه ببيان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وألفاظه ، فهو من البيان النبوي .
وقوله سبحانه :
( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ )
. . جزء من آية يدل سياقها على أن المقصود بالذكر عمومه سواء كان في صلاة أم في غير صلاة ، وهو ذلك الذكر الذي يقوى من صلب الإيمان ويشد أزر المؤمنين ويشعرهم بالقرب من ربهم ، ولعل هذا يفسر خصوصية الصياغة الموجزة في هذه الجملة
( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ )
. .
إذ جعل مكافأة الذكر ذكر من باب التكريم والفوز وحتى يكون الجزاء من جنس العمل كما يفهم من جعل المكافأة جوابا للأمر دون فاصل بينهما .
فإذا قارنا هذا بالحديث القدسي السالف وجدنا المعنى القرآني في جملة واحدة هي الأمر وجوابه ، وكل منهما جملة صغيرة ، أما الحديث القدسي فقد جاء المعنى مرتين ، مرة مجملا في قوله : " وأنا معه إذا ذكرني " ومرة مفصلا مبسوطا في قوله : " فإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه " والمعنى حين جاء مجملا أفاد معية اللّه مع الذاكر ، لكن هذه المعية ظلت مبهمة في كيفيتها حتى أبان التفصيل عنها بطريقة التقسيم بعد الجمع ، وفي التقسيم مزيد بيان وترغيب في الذكر : " فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه " والجملة الثانية من باب الزيادة في الجزاء والإحسان في المكافأة .
فالآية القرآنية والحديث القدسي يلتقيان في جعل الجزاء مشاكلا للعمل ومماثلا له وتحفيزا للذاكرين وإلهابا لهمم الشاكرين ، وإن كان ذكر اللّه في الحقيقة رحمة أو مغفرة أو رفع للدرجات في الدنيا والآخرة ، ثم يفترقان في الصياغة
هامش
( 1 ) مختار الأحاديث النبوية 179 .