تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
وعلى ذلك فإن أكثر التكاليف والفروض جاءت في القرآن بأسلوب الإنشاء وبواسطة الأمر الجازم على سبيل الاستعلاء لأن الآمر هو اللّه سبحانه بحيث يتبين في تلك الأوامر أثر الألوهية وعزة الربوبية ، بينما نجد هذه الأشياء قد جاء معظمها في الحديث النبوي بأسلوب الخبر الذي اعتمد البسط والتودد والتشويق بطريقة تبدو فيها أثر النفس البشرية وإن سما أسلوب الخطاب النبوي وارتقى في سلم البيان البشرى . 2 - وقد تجد مقامات ومعاني أخرى تقتضى العكس كالترغيب في الإنفاق وبذل الأموال تقربا إلى اللّه سبحانه ، يقول عز وجل :
( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ )
[ سبأ : 39 ] . فلما كانت النفس الإنسانية مجبولة على الحرص طمأنها اللّه سبحانه بأنه يخلف عليها في الدنيا وهو خير الرازقين ، فضلا عن مضاعفة الثواب في ميزان حسنات الآخرة ، والنص هنا بالأسلوب الخبرى الذي يدل على اختصاص اللّه سبحانه بالتعويض والإخلاف :
( وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ )
. لكن هذا المعنى جاء في الحديث النبوي بأسلوب الإنشاء وبلفظ الأمر في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة رضى اللّه عنه : " ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان ، فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكا تلفا ) « 1 » . على أن الآية القرآنية ليست تشريعا يقتضى التكليف بلفظ الأمر ولكنه وعد من اللّه سبحانه بتعويض المنفقين تعويضا عاجلا . واللافت هنا أن الحديث الشريف دعاء " اللهم أعط منفقا خلفا " وأن الآية القرآنية كالإجابة على هذا الدعاء
( وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ )
.
هامش
( 1 ) مختار الأحاديث النبوية للهاشمي 185 .
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 192 | محمد ابراهيم شادي