يبسط في العبارة ويحرص على الاستمالة النفسية في التعبير ببسط اليد ليلا ونهارا ، وبسط العبارة النبوية هنا نسبى بالقياس إلى إيجاز القرآن ، وإلا فإن أسلوب البيان النبوي هنا لا يخلو من سمات الإيجاز .
وحاصل هذا ما نراه من بروز عناصر التكليف والتوجيه في الأسلوب القرآني ، وبروز عناصر الترغيب والتلطف والتودد في الحديث النبوي ، وأن البيان النبوي وإن كان موجزا في جملته فإنه قد يوجد فيه ما يعد بسطا وإطنابا بالقياس إلى ما هو أوجز منه وهو أسلوب القرآن الذي يحمل فخامة وقوة وطابعا إلهيا لا يوجد في أي أسلوب بشرى مهما ارتقى في طبقات كلام الناس .
ولا يقدح في الظاهرة السابقة التي ترى فيها التكليف بالفروض بلفظ الأمر مظهرا من مظاهر القوة وعزة الربوبية ما نراه في فرض الصوم الذي جاء ابتداء بلفظ الخبر في قوله تعالى :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )
[ البقرة : 183 ] ، بينما في حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد جاء بلفظ الأمر في قوله الذي رواه الشيخان : " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين " « 1 » ، ذلك لأن لفظ الخبر في الآية الكريمة
( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ )
أقوى في التكليف للتعبير بلفظ الكتابة الدالة على وثاقة الفرض وتسجيله سلفا ، ثم إن اللّه تعالى رتب عليه قوله في الآية التالية :
( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ )
. . . من الآية 184 البقرة . فجاء الطلب بصيغة المضارع المقرونة بلام الأمر وهذه الصيغة لا تقل عن صيغة فعل الأمر ( صوموا ) في الدلالة على الطلب الجازم ، سوى أن المضارع ربما دل على أن ذلك الطلب ليس دائما مستمرا في كل وقت ولكنه يتجدد حينا بعد حين وفي كل سنة شهر ، فيكون للام الأمر دلالة على الطلب الجازم ، وللفعل المضارع دلالة على تجدد ذلك الطلب في وقت محدد من كل عام .
على أن الأمر في الحديث النبوي لم يقصد به التشريع وإنما كان لتحديد وقت الصوم ابتداء وانتهاء : " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته . . . " الحديث .
هامش
( 1 ) مختار الأحاديث النبوية 86 .