تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
اسم تكون وخبرها يدل على تخصيص جماعة مؤهلين لمهمة الدعوة إلى الخير ( منكم ) فمن تدل على البعضية ، وتوجيه الخطاب للجمع يدل على مسؤولية الجماعة في اختيار من يصلح منهم لمسئولية الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . أما الحديث الشريف فقد جاء بلفظ الخبر المرغب ، مع ترك هذه المسألة للاختيار اكتفاء بالترغيب في قوله : " فله مثل أجر فاعله " والحاصل أن مجيء المعنى في القرآن بالأسلوب الإنشائي الآمر يدل على صدوره من قوة قاهرة آمرة مسيطرة . هذا فضلا عن خصوصيات الصياغة التي لا نجدها في الحديث الشريف ، على أن الجملة القرآنية السابقة :
( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ )
جزء من كل متواصل متلاحم يبنى بعضه على بعض ، فبعدها :
( وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )
[ آل عمران : من الآية 104 ] . إن ذلك الفرق يظهر جليا حتى لا يجد المتأمل صعوبة في إدراك الاختلاف بين أسلوب وأسلوب ، وانظر إلى قوله تعالى :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ )
. . من الآية 8 سورة التحريم . وقارن بينه وبين قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : " إن اللّه تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها " « 1 » . تجد الأسلوب القرآني قد جاء فيه طلب التوبة بلفظ الأمر الجازم مع التمهيد له والاستدراج إليه بالنداء للذين آمنوا حتى يتحقق إيمانهم على أكمل ما يكون ، بينما خلا الحديث الشريف من هذا الطلب الجازم وهو يحمل الطابع النبوي الشفوق إذ يعرض المعنى في صورة محببة مرغبة في التوبة : " إن اللّه يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل " أي أن الدعوة للتوبة قائمة دائمة لا تنقطع ما توالى الليل والنهار ، وهذا يلتقي مع ديمومة طلب القرآن
( تُوبُوا )
فهو طلب قائم إلى يوم الدين ، لكن أسلوب الحديث هو أسلوب التودد البشرى الذي
هامش
( 1 ) مختار الأحاديث النبوية 166 دار الفكر .