وعند تصوير النقع المثار واجتياز الفرس له يستعين الشاعر بالاستعارة " وخضت النقع " في قوله :
شققت بصدره موج المنايا * وخضت النقع لا أخشى اللحاقا
وهذه الاستعارة من نوع المكنية التي تعتمد على طي المشبه به مع إثبات لازمة وصفته للمشبه على سبيل التخييل ، لأنه يتخيل أن النقع بحر يخوضه فرسه ، مع ما في ذلك من الرمز إلى تهيّب ذلك النقع ، وأن اجتيازه لم يكن بالأمر اليسير ، لكنه خاضه على كل حال .
والمعروف أن أكثر صياغات المكنية : أن يسند لازم المشبه به " الفعل " إلى المشبه " الفاعل " مثل : ضحك المشيب ، وأتاك الربيع يختال ، وأنشبت المنية أظفارها . . إلخ وقد يضاف لازم المشبه به للمشبه مثل يد الشمال وغضب البحر وصمت الليل إلخ . . وهنا في قول عنترة نجد المشبه يقع مفعولا " خضت النقع " مثل تجرعت الصبر ، وطويت الآلام .
ولا فرق بين أن يقع المشبه فاعلا لفعل المشبه به ( لازمه ) مثل ضحك المشيب ، وبين أن يقع مفعولا مثل : خضت النقع من جهة ما يترتب على ذلك من تخييل وتصوير ، وإن كان وقوعه فاعلا أقوى لمعناه وأزيد في التخييل ، فقوله تعالى مثلا :
( وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ )
. . . [ الأعراف : 154 ] أدل على تحكم الغضب ، وأقوى في تخييل أنه يتكلم ويسكت من قولنا : أسكتّ الغضب أو زجرته .
والاستعارة عند عنترة من نوع الصياغة الثانية التي لا يتألق فيها الخيال تألقه في الصياغة الأولى .
والمهم أن الصور الجزئية التي تتناول أوصاف الخيل العاديات عند عنترة متعددة الصياغات ، وأن أكثرها عادي مألوف ، وأنها ليست على نمط واحد ؛ لأنها ليست من سياق واحد ، وليست مجتمعة في قصيدة واحدة .
وعلى خلاف هذا ما جاءت عليه صياغة أوصاف الخيل العاديات في القرآن الكريم ، فقد جاءت مجتمعة في سورة واحدة ، وعلى أكمل ما يكون انتظاما واتساقا موافقا للانتظام والاتساق الذي يكون في الواقع ، وكأنها لوحة نراها أو مشهد نبصره في الطبيعة .