تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
ويبقى شئ مهم تنفرد به أوصاف الخيل في سورة العاديات ، وهي أنها لم تأت لمجرد تلك الأوصاف ، ولكن لتعظيم أمر الجهاد في نفوس المؤمنين فهذه الأوصاف صورة صادقة للجهاد . وأمر آخر هو أنها بلغت من شأنها وعظم أمرها أن اللّه تعالى أقسم بها ، ففيه تنويه لها ولفت إليها ، وتفخيم من شأنها لكونها وسائل الجهاد في سبيل اللّه . وعلى تعدد تلك الأوصاف التي تشكل صورة كاملة فإنها تمثل شقّ أسلوب القسم الذي يتكون من مقسم به ومقسم عليه ، فهذه الصورة الحافلة الكاملة التي تنتشر في الزمان والمكان تمثل جزء القسم وهو المقسم به . أما الشق الآخر وهو المقسم عليه فهو قوله تعالى :
( إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ )
والكنود هو الكفور لنعمة ربه ، وهو العاصي وهو البخيل كما دلت على ذلك التفاسير ، والمقصود أنه عاص لربه في أمر الجهاد ؛ لأنه شحيح بنفسه ، شحيح بماله ، فلا ينهض لأمر ربه في الجهاد ، فبين المقسم به والمقسم عليه تناسب لكنه عكسي ، لأن الأصل المناسب لتعظيم أمر الجهاد هو الامتثال لأمر اللّه فيه والجود بالنفس والمال ، ولكن العكس هو ما سجله القرآن
( إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ )
لأنه بطبعه الإنساني محب للحياة حريص عليها ولا يستطيع أن ينكر ذلك « 1 » ولذلك سمي الجهاد كذلك لحاجته إلى مجاهدة النفس ورغباتها والتطلع إلى ما عند اللّه ، ولعله لم يقل : " إن المؤمن لربه لكنود " ليشير إلى أن المؤمن لا يجتمع في قلبه هذه الصفات وما ينبغي أن يكون كنودا ، فلا يمكن أن يجتمع فيه عصيان وشح وكفران بنعمة اللّه سبحانه عليه .

ثانيا : الموازنة في النظم :

نظرا لأن صور عنترة في وصف فرسه " حال الحركة " جزئية متفرقة في قصائد متعددة ، فمن الطبيعي أن تتعدد طرق صياغتها بتعدد سياقاتها وقصائدها ، ومع ذلك فإن أغلبها من تلك الصياغات المألوفة التي تتردد عند الشعراء الجاهليين وغيرهم .
هامش
( 1 ) وهو ما يسجله قوله سبحانه بعده( وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ).