تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
يبدو أن الجو المعتم بالنقع المثار كانت له خشيته وهيبته حتى عدّه بحرا يخوض فيه : " وخضت النقع " لأن البحر أمام الخيل له هيبة ، وخوضه ليس بالأمر اليسير فالفعل " خضت " يشي بهذا الإحساس النفسي " التهيب " والذي يطل في سياق التظاهر بالجسارة والاقتحام . أما الآية الكريمة فقد عبرت عن المعنى باللفظ الدال عليه دلالة حقيقية وهو الإثارة في
( فَأَثَرْنَ )
وهو ينسجم مع الوصف الحقيقي للجرى السريع في
( الْعادِياتِ )
والوصف الحقيقي لقدح الشرر من اصطكاك حوافر الخيل بالصخور
( فَالْمُورِياتِ قَدْحاً )
ويرتبط ارتباطا وثيقا بالمعنى قبله
( فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً )
إذ يقوم الزمن
( صُبْحاً )
بوظيفة قبله فيدل على عنصر المفاجأة في الإغارة ؛ لأنه في وقت الغفلة في الصباح ، كما يقوم بوظيفة بعده ؛ إذ يدل على عنفوان حركة تلك الخيل حتى تستطيع إثارة النقع في الوقت الذي يكون فيه ثقيلا ملتصقا في الصباح لأن الندى قد بلله . فالآية الكريمة تتميز وتتفوق بميزان ثلاث : الأولى : حقيقية التعبير مع الوفاء بحق المعنى والانسجام مع الأوصاف قبله . الثانية : قوة الوصف المقصود لكون إثارة النقع في الصباح الذي يكون التراب فيه ثقيلا ملتصقا بفعل الندى الواقع فيه . الثالثة : طريقة النظم التي جعلت الآية حلقة في سلسلة من الجمل المتوازية والتي تنتهى نهاية إيقاعية واحدة تصور حركة الخيل وترقّى جريها المتتابع . وحاصل هذا أن تلك الآيات الكريمة تتفوق في أوصاف الخيل حال اندفاعها للحرب سواء نظرنا إليها نظرة جزئية ( آية آية ) في مقارنة لكل آية بما يشبهها عند عنترة ، أم نظرنا إليها نظرة كلية وهي مجموعة مضمومة بعضها إلى بعض ، فهي حينئذ متفرّدة لا نظير لها ؛ لأننا لا نجد عند عنترة أوصافا مجتمعة للخيل على هذا النحو تبدأ بالجري السريع وتترقى فيه حتى يقدح الشرر من احتكاك حوافرها بالصخور حتى تصل فورا إلى غايتها وإغارتها على الأعداء في أنسب الأوقات وهو وقت الغفلات حتى ترى الكر والفر والنقع المثار وحتى ترى التحاما عند القتال في أقل حيز ومساحة : ( فوسطن به جمعا ) .
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 182 | محمد ابراهيم شادي