تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
وقد توحدت صياغات تلك الأوصاف حتى أحدثت توازنا وإيقاعا منسجما يسهم بشكل فعّال في الإيحاء القوي بانضباط حركة الخيل وتوازنها في الواقع . ومن ظواهر الصياغة المشتركة في تلك الآيات : 1 - الإيجاز الشديد الذي دلّ عليه حرف الواو لأنه للقسم كما ذهب المفسرون ، فدل هذا على فعل قسم محذوف تقديره : وأقسم بالعاديات ضبحا ، أو أقسم بالخيل العاديات ضبحا ، فطوى جملة تامة مكونة من فعل وفاعل ومعها الموصوف " الخيل " ولم يبق من الجملة سوى توابع أو بالتحديد صفة " العاديات " وحال " ضبحا " على أنها بمعنى ضابحات من ذكر المصدر وإرادة اسم الفاعل . . وهذا النوع من الحذف الذي يطوى أركانا أساسية ولا يبقى من الجملة إلا توابع أو متعلقات دون ما تأثير على المعنى لا تجده إلا في كتاب اللّه وهو من سمات إعجازه ، ثم إن هذا الحذف الذي طوى فيه أكثر مما تبقى يوحي بجو السرعة المتناهية ، وكأن الخيل تفلت من دوائر المكان والزمان وتطوى وارئها الأشياء طيا . إن هذه الميزة الموحية في ذلك النظم نجدها في ثلاث آيات من ثلاث جمل متوالية هي قوله تعالى :
( وَالْعادِياتِ ضَبْحاً [ 1 ] فَالْمُورِياتِ قَدْحاً [ 2 ] فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً )
[ 3 ] ولا يحتج على ما سبق من ذلك التميز المعجز بأن هذا الأسلوب له مثيل عند العرب فيما عورض به القرآن من مثل ما أورده الماوردي " عن عكرمة أن النضر بن الحرث وكان من فصحاء قريش عارض القرآن فقال : " والزارعات زرعا والحاصدات حصدا والطاحنات طحنا ، والعاجنات عجنا فاللاقمات لقما " « 1 » . لأن هذه الصياغة قد عمد فيها إلى مماثلة صياغة القرآن والمجيء بكلام على حذوه وأسلوبه ، فلا يعد من أساليب العرب المألوفة الدائرة في كلامهم ، ثم إن هذا الذي جاء به النضر مضحك ، ليس وراءه كبير معنى ، وليس له سياق ولا غاية سوى المعارضة ، وهو كلام - على تفاهته - ناقص ؛ لغياب شق المعنى وتمامه وهو المقسم عليه .
هامش
( 1 ) أعلام النبوة 151 ت خالد العك ، دار النفائس بيروت ط 1 1414 ه / 1994 م