تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
فالصورة التي يصف فيها فرسه بالسرعة والتي تعتمد على التشبيه تأتي الصياغة عادية ، والتشبيه صريح مرسل بأداة ظاهرة هي الفعل الدال على المحاكاة في قوله : ولي فرس يحكي الرياح إذا جرى . . لكن مما قوّى دلالة هذه الصورة أن المشبه وقع مسندا إليه مرتين : الأولى من وقوعه مبتدأ مؤخرا في هذه الجملة الابتدائية " ولي فرس " والثانية من وقوعه فاعلا مستترا في الفعل الواقع أداة للتشبيه " يحكي " بما يدل على قوة إحساس الشاعر بفرسه وأنه يملأ عليه حسّه ونفسه حتى يتكرر ظاهرا ومضمرا ، ثم إن تعدد إسناد الفعل إليه يقوّى من تلك المشابهة ويدعم من تلك المحاكاة ويزيد من دعوى المماثلة ، وهذا يعكس قوة إحساسه بسرعة فرسه حتى لا يجد فرقا بينه وبين الرياح إذا جرى . وتقديم الجار والمجرور في صدر هذه الصورة " ولي فرس " يقوى من نسبة ذلك الفرس إليه على سبيل الاعتداد والاعتزاز وربما دلّ مع هذا على الاختصاص أي أن مثل هذا الفرس الذي يشبه في سرعته الرياح لا يكون إلا لعنترة . وحاصل هذا أن النظم بطريقة خاصة زاد من قوة التشبيه . وعند تصوير قوة الاندفاع وأثر ذلك على الصخور نراه يعتمد أيضا على التشبيه ، لكن الصياغة اختلفت اختلافا ما في قوله :
وحوافر الخيل العتاق على الصفا * مثل الصواعق في قفار الفدفد
إذ شكلت عناصر التشبيه جملة واحدة تامة تشمل الشطرين ، فقد وقع المشبه مبتدأ " حوافر الخيل العتاق . . " والخبر هو أداة التشبيه " مثل " مضافة للمشبه به " الصواعق " ونحو هذه الصياغة مألوفة عادية لا تزيد من حركة التصوير ولا من فاعلية المعنى ، كما حدث مع التشبيه في البيت السابق عندما وجدنا التصرف في عناصر التصوير بتقديم المشبه على الفعل الواقع أداة للتشبيه مما أدى إلى تكراره مع تكرار الإسناد إليه ، وما ترتب عليه من فاعلية الصورة وقوة المعنى .
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 184 | محمد ابراهيم شادي