تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
يكون إلا مع صوت قوى مسموع ، فهذا أمر بدهي مفهوم ضمنا ومحسوس ضمنا من غير التشبيه بالصواعق الذي ورد عند عنترة ، وإن كان هذا التشبيه عنده يضفى على المعنى مزيدا من التهويل والمبالغة وقد تبين أن هذا المعنى المقصود موجود ضمنا في الآية من غير تشبيه ولا تهويل ولا مبالغة . وهذه ميزة التعبير القرآني أنه يؤدي باللفظ الحقيقي ما يؤديه التشبيه في كلام الناس ، لأن القرآن بنظم خاص فيه يبعث الحياة والحركة في مفرداته حتى تصبح قادرة على التصوير والاستدعاء ، ولا يلجأ للتشبيه إلا إذا كان فيه ميزة لا تؤديه الحقيقة . والأصل في الكلام هو الحقيقة ، ولا يعدل عنها إلا لداع ، ولم يكن في الآية القرآنية ما يدعو إلى التشبيه ، بل لو عدل إليه لاختل نظام الإيقاع المقصود الذي يصور جو السرعة المضبوطة وذلك من توالي جمل موجزة متوازية
( وَالْعادِياتِ ضَبْحاً [ 1 ] فَالْمُورِياتِ قَدْحاً [ 2 ] فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً [ 3 ] فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً [ 4 ] فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً )
. . إلخ الآيات . فالصورة القرآنية
( فَالْمُورِياتِ قَدْحاً )
تتميز إذن بميزات منها : 1 - صدق الصورة وقوتها من غير المبالغة الناشئة من التشبيه بالصواعق الذي نجده عند عنترة . 2 - إيجازها إيجازا يتناسب مع سرعة قدح الشرر الناشئ من الاحتكاك القوى . 3 - انتظامها في سياق خاص لأنها جزء ضمن أجزاء تتعاون جميعا وتتناسق لفظا وإيقاعا وتصويرا ودلالة .

( ج ) تصوير إثارة النقع :

قال تعالى :
( فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً )
ولعنترة :
جزى اللّه الجواد اليوم عني * بما يجزى به الخيل العتاقا شققت بصدره موج المنايا * وخضت النقع لا أخشى اللحاق
وقعت صورة إثارة النقع في البيت الثاني في سياق اقتحام الموت ، ولكن