تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
في درجة الوصف ؛ لأنه إما تسجيل أمين لهول المعارك وصعوبة المواقف ، وإما وقوع فيما يمكن أن يقع فيه البشر من سهوات الفكر وغفلات النفس وهبوط الخيال أو شروده ، ومع ذلك فإنا نستبعد أمثال تلك النماذج عند الموازنة ونتخيّر لها ما برع فيه الشاعر وصعد فيه المرتقى وتألق فيه خياله وقوي إحساسه بحركة فرسه عند التوهج ، حتى إذا تفوق تصوير القرآن عليه كان ذلك أقوى في الدلالة على الإعجاز . فمن ذلك قول عنترة :
جزى اللّه الجواد اليوم عني * بما يجزي به الخيل العتاقا شققت بصدره موج المنايا * وخضت النقع لا أخشى اللحاقا
فالبيت الثاني تصوير محلّق لاقتحام الفرس رحى الحرب الدائرة والنفوس تتساقط تباعا كالأمواج ، فكأن ذلك الفرس يشق بصدره موج المنايا ، والشاعر عندما يرقى تصويره فإن ذلك يكمن خلفه رقي الإحساس ، ولأن عنان الفرس في يد والسيف في اليد الأخرى ، فلا يكون الترقي في وصف الفرس إلا بدافع الترقي في وصف نفسه ، فالفرس يقتحم لأن نفس الشاعر هي التي تقتحم ، والفارس هو الذي يسمح للفرس بالاقتحام ، والخيل إنما تكون كالحة الوجوه عابسة لأن نفس الشاعر قد كلّت من هول القتال واستمراره ، ويشهد لهذا ما بين الفارس وفرسه من تفاهم وحساسية مفرطة واستجابة سريعة نلحظها في قوله من أدق ما رأيت من تصوير فارس شاعر :
ولي فرس يحكى الرياح إذا جرى * لأبعد شأو من بعيد مرام يجيب إشارات الضمير حساسة * ويغنيك عن سوط له ولجام
فهذا من التمازج بين نفس الفارس ونفس الفرس من طول الصحبة والملازمة وممارسة الحروب .