لأصل في النهاية إلى جوانب التفوق والتفرد التي يثبت بها إعجاز القرآن في تصوير الخيل العاديات .
وأعود إلى ما لمسته من غفلات عنترة في ذلك التصوير ، كقوله :
نديميّ إما غبتما بعد سكرة * فلا تذكرا أطلال سلمى ولا هند
ولا تذكرا لي غير خيل مغيرة * ونقع غبار حالك اللون مسودّ
فإن غبار الصافنات إذا علا * نشقت له ريحا ألذّ من الندّ « 1 »
فمن الواضح أنه يقصر نشوته على ذكر الخيل المغيرة التي تثير النقع القاتم الكثيف ، لأن ريح غبار الخيل الصافنات ألذ عنده من رائحة النّد ( بفتح النون ) وهو عود البخور ، لقد تعود أن يعيش هذه التجربة ممارسة أو سماعا لأنها حياته ولذته .
والغفلة التي وقع فيها أن الخيل الصافنات هي التي تقف على ثلاث قوائم وطرف حرف الرابعة ، وهي الخيل الكرام الأصيلة ، فهذا الوصف بالتحديد وإن دلّ على كرم الخيول فإنه لا يتسق مع ذكر الغبار الذي لا يثار إلا عند الكر والفر والإقبال والإدبار ، فوصف الصافنات يدل على السكون ، وذكر الغبار يدل على الحركة أثناء المعركة ، فلا توافق ولا تناسب وأين هذا من " العاديات " التي بدأت به السورة القرآنية والذي جاء وصفا للخيل يتناسب مع حالها حين عدوها ويتلاءم مع " الموريات قدحا " ومع " المغيرات صبحا " . بل لم يسلم عنترة من نحو هذا في صورة من صوره البليغة التي يصف فيها فرسه ، ذلك قوله من معلقته :
يدعون عنتر والرماح كأنها * أشطان بئر في لبان الأدهم
ما زلت أرميهم بثغرة نحره * ولبانه حتى تسربل بالدم
فازورّ من وقع القنا بلبانه * وشكا إليّ بعبرة وتحمحم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى * ولكان لو علم الكلام مكلّمي « 2 »
فهذا وصف للخيل في أثناء المعمعة التي يستقبل رماحها المتوالية بصدر فرسه
هامش
( 1 ) شرح ديوان عذرة 54 .
( 2 ) الأشطان : جمع شطن وهو حبل البئر . لبان ؟ ؟ ؟ الفرس . صدره ، وثغرة النحر : نقرة في أسفل الحلق ، تسربل بالدم أي صار الدم له كالسربال يغطيه ويسعه ه ، وأزور أعرض . والتحمحم : صوت خفى ، فان اشتد فهو الصهيل .