حتى تسربل بالدم أي غطى الدم من غزراته كل نواحيه فصار له كالسريال ، وهنا يسيطر شعور الإشفاق عليه حتى عدّ صهيله المكتوم بكاء ، وتخيله يشكو إليه بعبرة وتحمحم ، ولو أنه وقف عند هذا الحد لكان أحرى وأجدى من نزول التصوير وانكفاء الخيال ، فبعد أن جعل الخيل يشكو ويستعبر عاد فنزع منه شكواه لأنه لا يقدر على المحاورة والكلام :
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى * ولكان لو علم الكلام مكلّمي
وعلى كل حال فإن حاصل الصورة السابقة أن فرسه يخوض غمار الحرب بصدره الذي يتلقى طعنات الرماح حتى يتسربل بالدم .
وعلى عكس هذا نجد الشاعر في مواقف أخرى يكفكف من خيله خشية عليها من طعن ملتهب كشرر النار ، وذلك في قوله :
والخيل تشهد لي أنّي أكفكفها * والطعن مثل شرار النار يلتهب « 1 »
فهو هنا لا يقلل من دور الخيل ؛ لأنه ما يكفكفها إلا في حال اندفاعها الذي تعودت عليه ، لكن حاجة الموقف استدعت منه تلك الكفكفة ، والخيل تشعر أنه لا يفعل ذلك جبنا ولكن شفقة عليها ، وهي تقدر له هذا الإشفاق كما يدل لفظ " تشهد لي " فهي تشهد له لا عليه .
وهذا ينبهنا إلى لغة التفاهم والإحساس المتبادل بينه وبين خيله كما سبق في قوله ( شكا إلىّ بعبرة وتحمحم ) و ( لو كان يدرى ما المحاورة اشتكى ) وهي هنا تشعر بشفقته عليها حين يكفكف أعنتها .
إن اقتحام رحى الحرب وخوض المخاطر تارة والتريث مع كفكفة الخيل تارة أخرى ليس من التناقض لأنه ليس في موقف واحد ولا في قصيدة واحدة ولكن في قصائد مختلفة بما يدل على اختلاف المواقف ، ولكل موقف ظروفه ، وليس الفارس متهورا حتى يندفع بفرسه في كل حال .
وما مضى من وصف الخيل عند عنترة لا يهبط في ميزان النقد ، ولا يقدح
هامش
( 1 ) شرح ديوان عنترة 25 .