المبحث الثاني موازنات بين القرآن والشعر
غايتى من هذه الموازنة إثبات تهافت القول بالصرفة بطريقة موضوعية عملية ، لقد قال النظام رأس المعتزلة إن القرآن معجز بالصرفة ، أي أن العرب كانت لديهم قدرة على المجيء بمثل القرآن لكن اللّه صرفهم عنها ، وقد ردّ العلماء عليه بأنه إذا كان قد صرفهم جدلا بعد نزول القرآن فهل صرفهم قبل نزوله ، ذلك ما لا يكون ، ولم يثبت أن في الشعر الجاهلي ما يضارع أسلوب القرآن ، وإثبات هذا عمليا لا يتأتى إلا بالموازنة بين نص جاهلي وبين نص قرآنيّ على أن يلتقيا في الغرض والمعنى العام ، فذلك مما يساعد على إبراز الفروق في التعبير والتصوير ، والفروق في كيفيات النظم التي يرجع إليها الفضل والتميّز والتفرد .
تصوير الخيل العاديات في القرآن والشعر الجاهلي :
لا نجد من شعراء العرب قبل الإسلام من وصف الخيل العاديات كعنترة بن شداد الذي عاش التجربة ، وتوفرت عنده دواعيها من قوة نفس وجرأة قلب ، وبطولة فذة وعبودية مهينة دفعته إلى محوها بتلك القوة النفسية والبدنية ، فكانت حروبه التي خاض غمارها وشق غبارها وجاز بحور المنايا فيها ، فنقل تلك المشاهد والصور الحية في تجارب شعرية تنطق بالقوة والعزيمة . لهذا لا نجد لوصف فرسه الذي يخوض المعارك نظيرا عند شاعر آخر لا في الجاهلية ولا في الإسلام .
فهذا ما دعاني إلى تسليط الضوء على تلك الصور وتشخيصها واختيار الأقوى منها ليكون مجالا للموازنة مع تصوير الخيل العاديات في القرآن الكريم ، في السورة التي عرفت بهذا الاسم " العاديات " لأصل من خلال هذه الموازنة إلى الفروق التي يتميز بها تصوير القرآن ونظمه والتي يكمن فيها الإعجاز .
ثم إن من ضرورات الموازنة ومقدماته الوقوف على خصائص التصوير والنظم في وصف الخيل العاديات في شعر عنترة ثم خصائص التصوير والنظم