جمادا ، لكن الحور العين إناث حية تمتلئ بالجمال والحيوية ، فذكر الأداة من أجل هذا ، للإشارة إلى ذلك الفرق وأن الطرفين لا يتفقان اتفاقا تاما ، ولم يفطن الشعراء إلى هذا الفرق الدقيق وبالغوا بحذف الأداة ، وكثيرا ما تسئ المبالغة إلى المعنى والصورة .
ناهيك عن أن وجود الأداة في التشبيه القرآني يشوق إلى معرفة كنه الحور العين ولونها ، ثم إن الأداة ( كأن ) الموصولة بضمير جمع الإناث ( كأنهن ) فيها نونان مشددتان قريبتان وفيهما غنة حتى يشعر الناطق بهما بالتأنى والتملى في ذلك الجمال واستحضاره وامتلاء الخيال به ليزداد الشوق إلى تلك الجنة وما فيها من نعيم الحور العين .
الوجه الثاني : التحول من الاستعارة إلى التشبيه :
كقول ابن مناذر :
وأرانا كالزرع يحصد الدهر * فمن بين قائم وحصيد
وقول آخر :
والناس في قسم المنية بينهم * كالزرع منه قائم وحصيد « 1 »
من قوله تعالى :
( ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ )
[ هود : 100 ] أي منها قائم ومنها حصيد ، والمقصود بقائم : القرى الخاوية على عروشها ، والحصيد : المستأصل بمعنى محصود ، شبه القرى بالزرع القائم على ساقه والمقطوع « 2 » .
فالفضاء الذي يدور فيه معنى البيتين محدود لأنه لا يزيد عن تشبيه الناس بالزرع الذي حصد والزرع الذي لم يحصد بعد ، لكن الفضاء الذي يدور فيه المعنى القرآني متسع باتساع السياق الذي ورد فيه والغرض الذي وظف من أجله ، فإنه لا يقصد تصوير فناء الناس حسب ، أو تحولهم من الحياة إلى الموت حسب ، وإنما يقصد تصوير مآل القرى الظالمة التي أخذها اللّه أخذا أليما ولهذا نجد قوله
هامش
( 1 ) البيت الأول من الجمان في تشبيهات القرآن 219 ، والثاني من تفسير " فتح القدير " للشوكاني 2 / 1040 .
( 2 ) المصدر نفسه 2 / 1040 .