سبحانه في هذا السياق :
( وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ )
[ هود : 102 ] .
ما ذا كانت ثمرة الظلم سوى الهلاك حتى أصبحوا أثرا بعد عين ، فمنهم من قطع دابره وخسف به وبداره الأرض ، ومنهم من هلك وبقيت ديارهم وقصورهم خاوية على عروشها .
فالاستعارة القرآنية
( مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ )
لم يقصد بها إلا تصوير ما آلوا إليه بعد الهلاك ، فهم ما بين زائل لا اثر له كقوم لوط ، وتصوره الاستعارة " حصيد " وزائل بقيت آثاره تدل عليه كالفراعنة وتدل عليه الاستعارة " قائم " . فلم يقصد من هاتين الاستعارتين " قائم وحصيد " تصوير التحول من الحياة إلى الفناء ، وإلا لو كان هذا هو المقصود لما صلح لتصويره إلا التشبيه الذي يذكر فيه المشبه به " الزرع " وإن قال " منه قائم وحصيد " فإن مجرد ذكر الزرع يشير إلى الحياة .
لهذا فإن الشاعر لم يوفق حين أراد تصوير فناء الناس فشبههم بالزرع يحصده الدهر فمن بين قائم وحصيد ؛ لأن كونهم كالزرع الذي يحصده الدهر يعنى أنها هالكون هالكون لكن قوله عقبة " فمن بين قائم وحصيد " يعنى أن منهم القائم الموجود ومنهم الهالك ، فذكر الزرع في التشبيه يجعلك تستعيد صورة الحياة .
لكن الصورة القرآنية لا تريد أن يكون في خيالك أي حياة باقية لهذه القرى الظالمة التي هلكت ، لهذا بنى الكلام على الاستعارة بطى المشبه به " الزرع " وإسناد صفتين من صفاته إلى تلك القرى بعد الذبول والفناء ، انه يريد من ذلك أن يرسم في خيالنا صور الهلاك وأن يجعلنا في الوقت نفسه نتذكر أن هذه القرى الهالكة سواء ما كان منها زائلا تماما أم بقيت آثارها - كانت تعج من قبل بالحياة فما ذا كان مصيرها وهل نفعها كفرها واستكبارها .
الفرق إذن بين الصورة القرآنية والصورة الشعرية السابقة أن الأولى تنقل أمامك صور هلاك القرى الظالمة ، ولهذا طوى ذكر الزرع وأبقى ما يدل على صورتين من صور انتهاء حياته " قائم " أي القائم على ساقه ، و " حصيد " أي المحصود المستأصل ، وكلاهما قد زالت منه الحياة أما الصورة الشعرية فيتدافع