إلى وظيفة أخرى كما سبق في اقتباس أعجاز النخل الخاوية وانتزاعها من سياق قرآني إلى سياق شعري ومن صورة إلى صورة مغايرة ومن وظيفة إلى وظيفة مختلفة ، وكان هذا سببا في انطفاء ما كان من بريق وذهاب ما كان من قيمة .
ومنه قوله تعالى في تصوير الحور العين
( كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ )
[ الرحمن : 58 ] فجاء بعضهم وشبه الزلفاء بالياقوت كقول الخليل :
إنما الزلفاء ياقوتة * أخرجت من كيس دهقان
ونسب لعبد اللّه بن طاهر قوله يقصد امرأة جميلة :
هي كالدرة المصونة حسنا * في صفاء الياقوت والمرجان
فقد انتقل المشبه به من سياقه الخاص ووظيفته المحددة في القرآن حيث شبهت هناك الحور العين بالياقوت والمرجان في القيمة الغالية وفي الاحمرار الصافي وفي ميل النفوس عموما إليها ، وذلك تشويقا إلى الجنة وما فيها من نعيم لا نظير له في الدنيا ولا سيما تلك الحور .
فقد أدى المشبه به دور التصوير لشيء لم تره أعيننا فجعلنا كأننا نراه ، ومن هنا يستمد التشبيه قيمته وأهميته ، أما عندما يصور المشبه به شيئا رأيناه فإن قيمته تقل ، ناهيك عن صياغة التشبيه في قوله تعالى :
( كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ )
[ الرحمن : 58 ] فقد جاء التشبيه بأداته بينما حذفت الأداة في هذين البيتين ، ووقع المشبه به خبرا للمشبه في البيت الأول : إنما الذلفاء ياقوتة ووقع مضافا إليه في البيت الثاني " هي . . في صفاء الياقوت والمرجان " .
وقد نحكم عند النظرة العجلي أن ما حذفت أداته أقوى لاقتراب الطرفين وجعلهما كأنهما شئ واحد ، وليس هذا بصحيح دائما ، فليس التشبيه كلما حذفت أداته كان أبلغ ، وإنما العبرة بموافقة المقام وتحقيق التناسب سواء ذكرت الأداة أم حذفت ، ولقد جاء ذكرها في التشبيه القرآني السابق أبلغ وأدق وأروع ؛ لأن وجودها يعنى عدم إرادة اتفاق الطرفين اتفاقا تاما ؛ لأن المشبه به " الياقوت والمرجان " وإن حلا منظره وغلا ثمنه وارتفعت قيمته ، فإنه لا يخرج عن كونه