2 - وجه دلالة الاقتباس على الإعجاز :
إن ما جاء به الشعراء من معان قرآنية في أشعارهم تهاوت بانتقالها من سياقها وبانتزاع أجزاء من الكل الذي جاءت عليه المعاني القرآنية ، مما يدل على أن الإعجاز يكمن في المعاني القرآنية المتصلة التي اتخذت نظوما خاصة من التأليف ، وليس أدل على ذلك من أن بعض الشعراء أخذ جملة من القرآن على سبيل الاقتباس فانطفأ نورها بانتقالها من مجالها وبانتزاعها من سياقها ، حتى ولو كان الإيقاع الذي انتظمت فيه مناسبا خفيفا ، من ذلك ما نقله ابن ناقيا قال :
" نظم يحيى بن خالد البرمكي لفظ القرآن في شعر كتبه إلى الرشيد حين نكب البرامكة ، فقال يخاطبه ويذكر حالهم :
عمّتهم لك سخطة * لم تبق منهم باقية
فكأنهم مما بهم * أعجاز نخل خاوية « 1 »
فاللفظ القرآني
( أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ )
هو هو ولكن شتان بين موقعه في القرآن وموقعه في الشعر ، فلقد كان في القرآن جزءا متلاحم الوشائج بآيته وعنصرا فعالا يؤدى وظيفة خاصة في صورته التي جاء فيا ، فهو يبرز الصرعى من قوم عاد الذين أهلكتهم الريح العنيفة ودفعتهم دفعا شديدا وهي تزهق أرواحهم حتى التقت أيديهم بأرجلهم فصارت لهم صورة مستديرة تقلبها الرياح ، فهذه صورة عجيبة لكنا لا نراها ، لها جاء بصورة مرئية تبرزها وتنقلها على أوضح ما يكون ، وهي صورة أعجاز النخل " أصولها " المستديرة الخاوية من داخلها حتى تجدها خفيفة فيسهل للرياح العاتية ان تدفعها وتقلبها حيث شاءت ، قال تعالى :
( وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ * سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ )
[ الحاقة : 6 ، 7 ] .
فما صلة هذا بقتلى البرامكة الذين نكب بهم الرشيد ؟ ، لا تبدو هناك مماثلة بينهم وبين أعجاز النخل الخاوية ، ولكنه الوزن الذي استحكم والفاصلة التي وجدها
هامش
( 1 ) الجمان في تشبيهات القرآن 311 ، وتضيف الرواية أن الرشيد رد عليه بقوله تعالى :( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ).