تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
وحاصل هذا أن سمو المعاني القرآنية وتفردها هو الذي أدى إلى سمو التعبير عنها وتفرد الصياغة التي جاءت فيها . ولئن خلا كلام رسول صلّى اللّه عليه وسلّم من أن يصل إلى منزلة القرآن المعجز ، فلقد جاء سلوكه صلّى اللّه عليه وسلّم وفق ما يتطلبه الكتاب العزيز ، ومواقفه التي تشهد على هذا كثيرة كموقفه من الأعرابي الذي أساء إلي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : أعطنا من مال اللّه ، فليس هذا مالك ولا مال أبيك ، فظل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يعطيه ويسأله : هل أحسنت إليك ؟ حتى خجل الرجل واعتذر وشهد لرسول اللّه بالإحسان . 1 - ومن تأثر التصوير والتشكيل معا بخصوصية المعنى : قوله تعالى :
( وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً )
[ نوح : 17 - 18 ] وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في قوم يخرجون من النار لبقية إيمان في قلوبهم : " فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل " « 1 » . وقال الكلبي : مر مروان بن الحكم سنة بويع له على ماء لبنى جزء عليه زرارة بن جزء وهو شيخ كبير فقال : كيف أنتم آل جزء ؟ فقال : بخير ، أنبتنا اللّه فأحسن اللّه نباتنا ، ثم حصدنا حصادا ، وكانوا قد قتلوا في الجهاد بالروم " « 2 » . تلتقى النصوص الثلاثة في التعبير عن الخلق والإحياء بالإنبات على سبيل الاستعارة التصريحية أو المكنية حسب توجيه المعنى ، وإن كانت المكنية هي الأقرب للمراد حيث يشبه الإنسان بالزرع الذي ينبت من الأرض وهم يرونه بأعينهم ، لكن طبيعة المعنى القرآني وخصوصيته جعلته يتشكل على نحو خاص به لا نظير له في حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولا في كلام الشيخ ويبدو الفرق من جهات عدة : 1 - أن الفاعل في الآية قد تقدم على الفعل لإفادة الاختصاص ، وأن القادر على ذلك هو اللّه وحده لا يقدر عليه غيره ، ولا نجد هذا في الحديث ولا في كلام الرجل .
هامش
( 1 ) وهو في البخاري من حديث أبي سعيد الخدري : يقول اللّه تعالى : أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من ايمان ، قال : فيخرجون فيلقون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل " وفي رواية " في جانب السيل " فتح الباري 11 / 361 وانظر 281 الجمان في تشبيهات القرآن . ( 2 ) الجمان في تشبيهات القرآن 281 .