تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
أن نستنبط إعادتنا من تلك الأرض بعد الموت فيها ، تماما كالحبة التي خرجت من نبات الأرض وأعيدت فيها فإنها تنبت ثانية . - ولما أكد الإنبات بمصدره أكد الإخراج يوم البعث بمصدره
( ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً )
وهو معنى قوله تعالى في سورة الحج
( وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ )
وقوله تعالى في سورة طه
( مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى )
ولكن المعنى في سورة نوح أكد بالتصوير الذي جعل فيه الخلق والإنشاء إنباتا مع زيادة التوكيد بالمصدر في الخلق ( نباتا ) وفي الإعادة ( إخراجا ) لمناسبة السياق ؛ لأن الآية من حكاية كلام نوح لقومه الذين امتد بهم العمر فقست قلوبهم واستعصت الفكرة على أفهامهم . ولا نجد شيئا من هذا في حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولا في كلام الشيخ الذي سبق ، وذلك لخصوصية المعنى القرآني وخصوصية السياق الذي ورد فيه ، على أن تشبيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم متمكن في التصوير مقرب لمعنى غيبى أطلعه اللّه سبحانه عليه ، والجهة فيما يبدو منفكة عما ورد له الإنبات في الآية ؛ لأن الحديث يصور إعادة المعذب إلى طبيعته بعد ما مسخه التعذيب وغيّر خلقته حتى صار في حكم العدم . أما كلام الشيخ فإنه وإن قصد احتذاء المعنى القرآني وهو الخلق والإنشاء " أنبتنا اللّه فأحسن اللّه نباتنا " فإنه قصر في النواحي التي تميز بها التعبير والتشكيل القرآني ، فلا هو قدم ما يدل على الاختصاص ، ولا هو أكد بالمصدر تأكيدا يستدعى نسيان المجاز ، ولا هو ربط بين الإنشاء الأول من الأرض والإخراج منها ربطا يتولد عنه ذلك الاحتجاج ، على أن ذلك الرجل ناسب بالتضاد بين الإنبات والحصاد في قوله " أنبتنا اللّه فأحسن نباتنا ثم حصدنا فأحسن حصادنا " مع أن ترك التعبير بالحصاد كان أولى ليتأتى التنبيه بفعل الإعادة الذي جاءت عليه الآية إلى أن العودة تكون في نفس المكان الذي خلقنا منه ، فهذا أدعى إلى تصور إمكان الإعادة ثانية واللّه أعلم .