2 - أن فعل الإنبات قد أكد بمصدره بعد حذف الزوائد ويسمى اسم مصدر كما ذكر أبو السعود « 1 » ثم ذكر احتمال أن يكون التقدير : واللّه أنبتكم من الأرض فنبتم إنباتا .
وقد ذهب السيوطي إلى أن تأكيد الفعل بمصدره ( أو باسم مصدره ) من علامات الحقيقة وليس كذلك المجاز ، وعلى ذلك فقوله تعالى :
( وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً )
الكلام هنا حقيقي بدليل تأكيد الفعل بمصدره .
وحاصل هذا أننا سواء عددنا ( نباتا ) اسم مصدر للفعل أنبت أم كان المصدر محذوفا على تقدير واللّه أنبتكم من الأرض فنبتم إنباتا كما ذهب أبو السعود فإننا نجدنا في حيرة بين عده مجازا ؛ لأن الإنسان لا ينبت في الواقع لأنه ليس بزرع وبين عده حقيقة وفق ما ذهب إليه السيوطي من أن المجاز لا يؤكد بالمصدر وأن تأكيد الفعل بمصدره دليل على أنه من الحقيقة .
والمخرج من هذا هو إرادة نسيان المجاز لشدة الشبه بين الإنسان والزرع أو بالأحرى لشدة الشبه بين إيجاد الإنسان وإيجاد النبات لا سيما وأن كلا منهما من الأرض ولا يكون إلا منها ، والغاية هي تمثل الصورة للاعتبار ، ولنصل هذه المقدمة بالنتيجة ، فإنا إذا كنا نباتا فإن النبات يخرج من الأرض ثم إذا أثمر وعادت ثماره وحباته للأرض نبت مرة ثانية ، فهذه هي النتيجة التي يستدرجنا إليها التعبير بالفعل ( أنبت ) مؤكدا بمصدره حتى ننسى المجاز ونتعامل معه باعتباره حقيقة ليسهل استنباط تلك النتيجة وهي أننا إذا متنا وعدنا للأرض فمن السهل أن ينبتنا اللّه من الأرض مرة ثانية كما أنبتنا في المرة الأولى .
- من أجل هذا جاء الحديث عن الإنبات موصولا بقوله تعالى
( ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً )
الآية 18 سورة نوح ، فهذا المعنى امتداد طبيعي للمعنى قبله ، أي يعيدكم فيها بالموت والدفن فيها ثم يبعثكم ، وعند ربط الآيتين تتخلق صورة من صور البرهان والاحتجاج ، لأننا إذا علمنا أننا نبات ينبتنا اللّه من الأرض وأننا قد تشكلنا من عناصر هذه الأرض : من طين وماء ، فمن السهل
هامش
( 1 ) إرشاد العقل السليم 5 / 159 .