تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
2 - ومع أن الحلم وكتم الغيظ خلق محمود إلى أن الأعلى درجة منه هو الرد بالتي هي أحسن ، لأن الحلم قد يكون تعملا ، وكتم الغيظ قد يكون تكلفا ، لكن الرد بالأحسن يدل على أن الحلم أصبح من الدأب عليه طبيعة ، والخلق الكريم صار عقيدة يبتغى بها المسلم رضا اللّه بتنفيذ أوامره ، وهذا هو لب الفرق بين الحلم تعملا والحلم طبيعة وعقيدة يدعو إليها القرآن ، فعند ما يصل إلى هذه الدرجة يأتي الرد بالتي هي أحسن تلقائيا . 3 - إن سمو المعاني القرآنية وتفردها على ذلك النحو هو الذي أدى إلى تفرد التعبير عن تلك المعاني وتفرد صياغتها ، فقد بدأ أولى خطوات الاستمالة النفسية بإقناعنا أولا أن الحسنة لا تستوي مع السيئة :
( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ )
معتمدا في هذا على ما وقر في النفوس السوية وجبل في الطباع المستقيمة ، وهذه الضدية تسهم في إبراز هذا التباين . ثم يأخذ بيدك إلى منزلة أعلى فيطلب منك أن تدفع لا بالحسنى فحسب ولكن بالتي هي أحسن ، على أنه صاغ هذا المعنى صياغة ترغبنا فيه ، فلم يقل : ادفع بالأحسن ، وإنما عرف بالاسم الموصول
( ادْفَعْ بِالَّتِي )
لتمييز تلك المنزلة أكمل تمييز لفتا للقلوب إليها ، ثم بدأ الصلة بالضمير ( هي ) تشويقا للمطلوب ورفعا لدرجة التهيئة الذهنية ؛ لأن ما يطلب ليس باليسير إلا على النفوس العالية والإرادة القوية ، حتى إذا جاء أفعل التفضيل ( أحسن ) تلقته النفس تلقى الحبيب الذي جاء بعد ترقب وانتظار ، فيتمكن في النفس أسمى تمكن ، وقد ترك تحديد التي هي أحسن اعتمادا على ما جبل في الطباع من معرفة السيئ والحسن والأحسن ، ولأن لكل موقف ظروفه وملابساته ولكل مقام مقال . وقد صاغ القرآن النتيجة بإذا الفجائية المقرونة بفاء التعقيب للإشارة إلى سرعة التبدل من العداوة المبينة إلى الصداقة المتينة ، وفيه إشارة إلى أن النتيجة مضمونة وسريعة جدا بشيء يدعو إلى العجب . . من عدو إلى ( ولى حميم ) . وهذا وعد من اللّه العليم الخبير لمن يغالب نفسه فيتحول من الرغبة في الانتقام إلى ضبط الاتزان ، يعده اللّه سبحانه بنقاء الصدر وصفاء النفس ليكون مهيا للرد بالتي هي أحسن .