يرضى كل الناس ، ولن يستطيع أن يستحوذ على نفوسهم جميعا بماله وإنما يستطيع ذلك بحسن خلقه ، فهو معنى راق يمثل أدبا نبويا ساميا في أسلوب موجز .
أما الحديث الثاني " لا تغضب " فإنه من أوجز ما يكون في الدعوة إلى السيطرة على كتم الغيظ والسيطرة على نوازع الشر ، وأما قول القائل : قلمت أظفارا بلا قلم .
فإنه تمثيل لاستلال الضغائن من الصدور بالحلم والمداراة .
وفي قول الأحنف بن قيس : " رب حلم تجرعته " .
المقصود رب غيظ تجرعته بالحلم ، وهو يعكس شدة معاناة الصبر وكتم الغيظ على أذى الأعداء وحقد الخصوم كما يتجرع الإنسان المر . وفي القول الأخير :
" وجدت الحلم أنصر لي من الرجال " .
يعنى أنه ينتصر بالحلم على خصومه نصرا لا يحققه الرجال ، لأنه نصر بلا ضحايا ولا قتال .
فكل هذه الأقوال تتضمن أخلاقا كريمة صيغت في عبارات موجزة ، لكن أروع منها وأكمل ما جاء عليه المعنى القرآني ، فهو يتفوق على كل تلك الأقوال من نواح عدة :
1 - أنه يتجاوز الحلم والصبر وكتم الغيظ إلى سلوك إيجابي مباين لما صدر من الخصم ؛ لأنه مقابلة السيئة بالحسنة بل بما هو أحسن
( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )
.
ولست مع ابن ناقيا في تفسير الحسنة بالمداراة وإنما هي سلوك إيجابي بدليل التعبير بعدها بأفعل التفضيل ( أحسن ) ولا شك أن الرد بالتي هي أحسن يستل السخائم ويطفئ نيران العداوة ويستميل الخصم ويدفعه إلى مراجعة موقفه والثمرة هي قوله تعالى :
( فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ )
[ فصلت : من الآية 34 ]