تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
يرضى كل الناس ، ولن يستطيع أن يستحوذ على نفوسهم جميعا بماله وإنما يستطيع ذلك بحسن خلقه ، فهو معنى راق يمثل أدبا نبويا ساميا في أسلوب موجز . أما الحديث الثاني " لا تغضب " فإنه من أوجز ما يكون في الدعوة إلى السيطرة على كتم الغيظ والسيطرة على نوازع الشر ، وأما قول القائل : قلمت أظفارا بلا قلم . فإنه تمثيل لاستلال الضغائن من الصدور بالحلم والمداراة . وفي قول الأحنف بن قيس : " رب حلم تجرعته " . المقصود رب غيظ تجرعته بالحلم ، وهو يعكس شدة معاناة الصبر وكتم الغيظ على أذى الأعداء وحقد الخصوم كما يتجرع الإنسان المر . وفي القول الأخير : " وجدت الحلم أنصر لي من الرجال " . يعنى أنه ينتصر بالحلم على خصومه نصرا لا يحققه الرجال ، لأنه نصر بلا ضحايا ولا قتال . فكل هذه الأقوال تتضمن أخلاقا كريمة صيغت في عبارات موجزة ، لكن أروع منها وأكمل ما جاء عليه المعنى القرآني ، فهو يتفوق على كل تلك الأقوال من نواح عدة : 1 - أنه يتجاوز الحلم والصبر وكتم الغيظ إلى سلوك إيجابي مباين لما صدر من الخصم ؛ لأنه مقابلة السيئة بالحسنة بل بما هو أحسن
( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )
. ولست مع ابن ناقيا في تفسير الحسنة بالمداراة وإنما هي سلوك إيجابي بدليل التعبير بعدها بأفعل التفضيل ( أحسن ) ولا شك أن الرد بالتي هي أحسن يستل السخائم ويطفئ نيران العداوة ويستميل الخصم ويدفعه إلى مراجعة موقفه والثمرة هي قوله تعالى :
( فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ )
[ فصلت : من الآية 34 ]