القيعة أو القاع من السراب فجعله ظرفا لماء فلم تعد له قيمة في قوله : ماء ترقرق وسط قاع إلخ . .
فأين ذلك من التمثيل القرآني الذي يقصد تصوير معنيين موصولين هما البداية المطمعة المتصلة بالنهاية المؤيسة ، وهذا يؤدي إلى الأسى والحسرة ؛ لأن الأمل كان عظيما ، والخيبة في الأمل كانت بنفس المقدار عظيمة ، وهذا يؤدى إلى حسرة كبيرة ، فتلك حال الكفار يوم القيامة عندما يأملون في نفع أعمالهم ثم يصابون بالخيبة والحسرة عندما يخيب ظنهم .
لا شك في أن أهم وجوه الإعجاز القرآني كان فيما تجدد من معان لم يعهدها العرب ولا قدرة لهم عليها ، وخصوصية المعاني القرآنية هي التي أدت إلى نظم مخصوص وتصوير متميز لا عهد للعرب به .
4 - خصوصية المعنى وتأثيره على كيفيات الصياغة :
قوله تعالى :
( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ )
[ فصلت : 34 ] .
يقول ابن ناقيا : " الحسنة تعنى المداراة ، والسيئة تعنى الفظاظة ، وادفع بالغى هي أحسن أي ادفع السيئة بالتي هي أحسن ، ثم يضع إلى جانب الآية قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : " إنكم لم تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم " وقال رجل : يا رسول اللّه أوصني ، قال : لا تغضب . ومن كلام أكثم لولده : يا بني الق عدوك بحسن البشر ، وأخف عنه ما في الصدر ، وقال آخر : قلّمت أظفارا بلا قلم .
وقال الأحنف بن قيس : رب حلم تجرعته مخافة ما هو أشدّ منه . وكان يقول :
وجدت الحلم أنصر لي من الرجال .
وعندما نتأمل جوهر هذه الأقوال قبل الموازنة بينها وبين الآية الكريمة نجد الحديث النبوي الشريف : " إنكم لم تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم " دعوة إلى حسن الخلق لكل الناس ، مع البداية لذلك بأسلوب الترغيب الذي يتضمن تفضيل حسن الخلق على بذل المال في استمالة الآخرين ، لأن الإنسان بماله لن