تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
فمن من الشعراء تعنيه أعمال الذين كفروا وبطلانها ومن يقدر على تصوير هذا المعنى كما صوره القرآن ، سوى أن بعض الشعراء نظر إلى جزئية في ذلك التشبيه التمثيلى هي قوله تعالى :
( يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً )
فقال بعضهم وهو بشر بن المعتمر يهجو :
غلطا كمن حسب السراب بقفرة * ماء ترقرق وسط قاع قرقر فأراق نطفته وأمعن نحوه * والآل لمّا يدن أو يتأخّر « 1 »
والقرقر هو الأملس ، والنطفة هنا القليل جدا من الماء الذي يحتفظ به ، فالشاعر قد نقل المعنى في قوله تعالى :
( يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً )
« 2 » من إطاره وسياقه في الآية إلى مجال آخر يصف فيه شخصا بسوء التقدير إذ يفرّط فيما يملكه بين يديه طمعا فيما لا يملكه ، أو يفرّط في القليل الذي يملكه طمعا في الكثير الذي لا يملكه ولا يضمنه ، فشبه بمن حسب السراب بقفرة ماء وسط قاع أملس فأراق ما معه وسعى وراء السراب . وهذا من تحويل الصورة من مجال إلى مجال آخر ، وقد قصر الشاعر من وجوه عدة منها : 1 - أنه أخذ جزءا من التمثيل القرآني الذي يصور حال الذين كفروا يوم القيامة إذ يتوهمون أن أعمالهم تنفعهم ويعظم أملهم فيها ثم تكون الخيبة والحسرة يشبهها بحال الظمآن الذي يرى السراب بقيعة فيتوهمه ماء ويعظم أمله فيه ، لأنه ظمئان ، ولأن السراب من يراه لا يشك في كونه ماء لكونه بقيعة ، ثم يلهث وراءه فلا يجد شيئا فتعظم حسرته . فلما أخذ الشاعر الجزء الخاص بحسبان الظمآن السراب ماء صار المعنى غير المعنى والصورة غير الصورة ؛ لأنه إنما يريد تصوير غلط المهجو بغلط من حسب السراب بقفرة ماء يترقرق . 2 - إن التمثيل القرآني جعل السراب بقيعة وهي المكان المخفض الأملس الذي إذا تراءى السراب فيه كان ذلك أعظم في توهم أنه ماء ، لكن الشاعر نقل
هامش
( 1 ) ذكر ابن ناقيا البيتين في " الجمان في تشبيهات القرآن " 153 . ( 2 ) أي يحسب الظمآن السراب ماء .