المرهوب الذي يتجزّأ ظلامه إلى قطع تغشى وجوه الظالمين وتكسوها ظلاما .
وكل هذه الميزات مما تفتقدها صورة شريح كذلك ، سوى أنه اعتمد على استعارة الظلمة لأثر الكفر على وجه الكافر استعارة تصريحية ليس فيها ما يلفت أولي الألباب ولا أصحاب الذوق الحسّاس .
ومن هذه الموازنة وغيرها يتبين أن الفرق يكمن في خصوصية المعنى القرآني ، وأن النظم القرآني إنما جاء استجابة لتحقيق أغراض دينية ومعان قرآنية جديدة لا عهد للعرب بها ، فالنظم القرآني معجز لإعجاز ما يتضمنه من معان .
ومن هنا يمكن الإجابة على سؤال عبد القاهر في صدر كتابه " دلائل الإعجاز " إذا كانت نظوم العرب في شعرهم ونثرهم معروفة ومحصورة في طرق معينة ، فما الذي تجدد بالقرآن حتى أعجز العرب ؟
فالجواب أن الذي تجدد بالقرآن هو خصوصيات المعاني القرآنية وهي التي اقتضت ألفاظا وصورا وتراكيب بعينها . . . فالمعاني من لدن عليم خبير يعلم ما كان وما يكون وليس لعلمه حدود وهذا الكتاب العزيز من عنده فلا مفر من أن يكون أسلوبه أثرا من آثار قوته وجلاله وعظمته .
وأعود إلى أن قولهم : القرآن معجز بنظمه ، يحتاج إلى تحليل وتفسير لأن خصوصية المعاني هي الموجه إلى نظم خاص وتصوير متميز ، ولا ينبغي أن تنسى إشارة عبد القاهر إلى هذا عندما ذهب إلى أن النظم نظم معان وتنسيق دلالات لا ترتيب أصوات وحروف « 1 » .
ومن خصوصية المعنى القرآني وتصويره ، قوله تعالى
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ )
[ النور : 39 ] .
هامش
( 1 ) راجع دلائل الاعجاز ، 49 .