تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
3 - ويبدو أن ابن الرومي تعمّد الأخذ من الصورة القرآنية ، فقد بدأ المشبه به بالأداة ( كأنما ) كما بدأها القرآن وجعل الدجى كأنها تأوي إلى وجه ذلك الشخص ليجارى ما في الآية من قطع الليل المظلم التي غشّت وجوه الكافرين . لكن ذلك عنده بسبب القبح ، لكنه في القرآن بسبب الذلة ، والذلة معنى نفسي وشعور وجداني يظهر أثره في الوجوه حلكة وقتامة ، فالتصوير القرآني يربط بين المشاعر الداخلية والآثار الحسية المترتبة عليها ربطا طبيعيا رائعا يفتقده تشبيه ابن الرومي الذي يصور قبحا محسوسا بظلام محسوس ، فلا بد من أن يكون المشبه به أقوى في الإحساس ، وهذا ما ألجأه إلى المبالغة في المشبه به إذ جعل الدجا هي التي تأوي إلى ذلك الوجه . ولم تكن الصورة القرآنية بحاجة إلى تلك المبالغة ولا إلى ذلك الخيال ؛ لأن المعاني النفسية تتلمس من المحسوسات ما يصورها تصويرا كاشفا وهي قانعة بهذا دون حاجة إلى مبالغة ولا إلى خيال . 4 - تفتقد صورة ابن الرومي إلى الفعل " أغشيت " وما يؤديه في الآية من تحريك الصورة تحريكا مثيرا ، وقد بنى هذا الفعل للمفعول فصار الفاعل مبهما فيه عموم ، وصارت النفس تذهب كل مذهب في تصور كنه الفاعلين وعددهم وصورتهم وهم يأخذون من الليل قطعا من ظلامه فيغشون بها وجه ذلك الكافر الذليل ، ثم إن هذا الفعل عندما ينضم إلى المفعول
( أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً )
نشعر بأن الوجوه لم تكتس بقطع الليل المظلم دفعة واحدة وإنما كانت تزداد سوادا مع زيادة قطع الليل التي تغطيها وما يعنيه هذا من زيادة الإحساس بالذلة والغم . 5 - تفتقد الصورة الشعرية إلى ما يوحى به ذكر الليل في الصورة القرآنية ، ولقد كان الليل عندهم مقرونا بالرهبة والخوف ، وهذا هو السبب في أن التعبير القرآني لم يكتف بأن يقول مثلا : كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الظلام ، ولكن قال :
( قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً )
ليمتلئ الحس بتجسد الليل
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 157 | محمد ابراهيم شادي