تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
فالمشبه به مستمد من البيئة البدوية في البيت الأول الذي يشبه الوجوه بظلال الصخور ، ومستمدة من البيئة الحضرية في البيت الثاني الذي يشبه الوجوه وكأنها مطلية بمداد ، والصورة الثالثة أبلغ من السابقتين لأنه يصور الوجه من شدة السواد وكأن ظلمة الليل تأوي إليه وتتجمع حوله عندما طاردها الفجر ، ويبدو أن ابن الرومي تأثر بالتشبيه القرآني الذي يصور آثار الذلة على وجوه الكفار يوم القيامة وكأنما تغطت تلك الوجوه بقطع من الليل عندما يمعن في الظلام . وربما كانت صورة شريح هي الأقرب إلى روح التشبيه القرآني وإن كان دونه بمراحل إذ يجعل للكفر ظلمة في الوجه في قوله : " ظلمة الكفر في وجه هذا الجاحد " . . الخ . فالموازنة تنحصر إذن بين بيت ابن الرومي وجملة شريح وبين التشبيه القرآني ، وهنا نجد التشبيه المعجز ينفرد بخصوصيات عدة لا توجد في غيره ، منها : 1 - أنه جاء تصويرا لآثار الكرب والذلة على وجه الكافر يوم القيامة ، فهو يتناول معنى فريدا لا عهد للعرب به ولهذا جاء التشبيه فريدا في بابه ، فجدة الصورة من جدة المعنى الذي يصوره . 2 - أن هذا المعنى عنصر في نظم المقابلة التي تبرز منتهى التباين بين الحال الراضية المستبشرة للمؤمنين والحال الساخطة التعسة للكافرين يوم القيامة ، فالذين أحسنوا لهم الحسنى وزيادة ( للتكريم ) ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة ، والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة . . كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما . لكن تصوير سود الوجوه في الشعر والنثر مقصود لذاته مستقل بنفسه ، فكون الجزء الذي لا يستقل بنفسه - في الآية - يأتي بصورة نادرة جديدة تفوق تصوير المستقل في الشعر والنثر دليل على إعجاز الصورة القرآنية .