ثم لا نجد تشكيلها على النحو الذي وجدناه في الآية حيث تجاورت عناصر المثل فيها على ترتيب خاص يتناسق مع مكونات المعنى المقصود وترتيب عناصره .
وإنما نجد في تلك الأشعار عنصرين اثنين يمثل أحدهما حال النضرة ويمثل الآخر حال الجفاف ، وراجع قول الأول :
. . وابيض من بعد سواد الخضرة العود
فالبياض كناية عن الجفاف ، وسواد الخضرة كناية عن نضرتها ، وقول الثاني " أبو العتاهية " :
عريت من الشباب وكنت غضّا * كما يعرّى من الورق القضيب
فلا تجد سوى هذين العنصرين في كل من طرفي التشبيه :
العنصر الأول الذي يمثل النضرة ، والثاني الذي يمثل الجفاف ، ولم يزد الشاهدا الثالث على هذا سوى أنه قال أولا :
وما الناس إلا كهذا الشجر
ثم ذكر ما يحدث للشجر من جفاف بعد نضرة ، فهو كالثاني إلا أنه فصل في المشبه به تفصيلا لا يفهم منه إلا ما يفهم من قول أبي العتاهية :
كما يعرى من الورق القضيب .
فلا نجد ما نجده في الصورة القرآنية من تعدد العناصر التي تشكّل منها المثل على ترتيب خاص ، ولكل عنصر دلالة بحيث تتناسق تلك الدلالات الجزئية لتشكل معنى مركبا يتناول مراحل الحياة التي تبدأ بالحاجة ، وكان في إمكان الإنسان أن يقف عندها مكتفيا بسدها ، لكنه خضع لشهوات النفس فتجاوز حد التشبع بالمتع ، فكان لا بدّ من الهلاك ، وهو النهاية الحتمية للحياة الدنيا .
أما المؤمن فإنه لا يغتر بتلك الحياة ، ويقف عند حدّ الكفاية يحمد اللّه عليها ويرحب بلقاء اللّه ، ولذلك لا يشعر بالفقد الذي يشعر به الكافر حين تقتصر طموحاته على متع الحياة الدنيا .