تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
فالصورة القرآنية تقع موقع المشبه به الذي يصور الحياة ، وتتلخص غايتها في التحذير من الاغترار بالدنيا ، وأن يضع كل في اعتباره أن الحياة الدنيا لها نهاية ، فلا يغرق في متعها ، ولا يبالغ في التزين بزينتها ، لأن الوصول إلى هذا الحد من التمتع والزينة يجعل الشعور بفقدها مفزعا قبل الفقد ، فالمثل القرآني موظف لغاية دينية هي التحذير من الانصراف الكلى للدنيا . فإذا جئنا إلى تشكيل هذا المثل وجدناه قد تصدر بأداة القصر ( إنما ) الدالة على أن ذلك المثل على طوله هو المرآة التي لا تجد مرآة سواها تعكس لك الدنيا بصدق ، فهي وسيلة جاذبة لافتة ومستميلة في الوقت ذاته للتعرف على حقيقة الحياة الدنيا من خلال تلك المرآة الصادقة . الحياة الدنيا في البداية ( ماء ) والماء هو أساس الحياة . - و
( أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ )
مؤذن بقدوم الرزق لقوله تعالى
( وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ )
. . . -
( فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ )
أي التف مخضرا يعجب الناظرين مما يؤذن بحصول الثمرة ، والدنيا تبدأ مراحل الانبهار بها من الحاجة حتى إذا حدثت الحاجة الضرورية بقوله :
( مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ )
عبر عن مرحلة الترف الممتع التي تسقط فيها النفوس ذات الرغبات والنزوات بقوله
( حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها )
. ولا شك أن المغالاة في التزود من متع الحياة الدنيا حتى تتجاوز مرحلة الإشباع يؤذن بالهلاك ، وهنا نجد قوله تعالى يعبر عن هذا في جانب المثل بقوله :
( أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ )
. فهذا تصوير صادق لمراحل الحياة الدنيا ومواقف الناس منها ، وتتلخص في البداية بالحاجة التي يعقبها الإشباع والترف ثم تتجاوز هذا إلى السقوط في مراتع الشهوات التي يعقبها الهلاك ، وهذه المراحل دلت عليها العناصر التي تشكل منها المثل على ترتيب خاص . فإذا نظرنا إلى تلك الشواهد الشعرية افتقدنا هاتين الميزتين ، فلا نجد للتشبيه أو التمثيل فيها وظيفة سوى التحسر على أيام الرخاء وقرب الأحبة والحزن على ما فات .