تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
والفرق يتلخص في أن البرق في المثل القرآني قوى حاد لا يستطيع الإنسان أن يثبت نظره فيه
( يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ )
فهذا هو نور الإيمان الذي لا يحتملونه لمرض في قلوبهم ، لهذا فإنهم يعطونه ظهورهم لكنهم يفيدون منه إفادة ما عبر عنها بقوله في المثل :
( كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ )
وحاصل هذا أن البرق في الآية قوي يسمح بالمشي فيه بعض الوقت . لكن كيف يسمح برق ضعيف خاطف للركب بالسير والاتجاه هنا وهناك كما ذكر الشاعر : إما أومض البرق يمموا فكأنه لم يلحظ أن البرق في المثل القرآني إنما سمح للقوم بالمشي فيه لأنه كان قويا حادا ، أما برق الشاعر فإنه إيماض ، فكيف يسمح الإيماض للقوم بالسير عدة خطوات ؟ فهذا خطأ في المعنى ناشئ من اقتباس جزء المعنى القرآني اقتباسا ناقصا ، فضلا عن انتزاعه من سياق خاص إلى سياق آخر مختلف . أما بقية الأخذ فمن قوله تعالى :
( إِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا )
سلخه الشاعر في قوله : . . وإن لم يلح فالقوم بالسير جهّل وشتان ما بين " إن لم يلح " وقوله تعالى
( إِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ )
لأن التعبير القرآني متمكن في موقعه ، فبعد ذهاب البرق مع الضوء القوي الساطع لا يكون إلا الظلام ؛ لأن الشعور بالظلمة الحقيقية لا تكون إلا بعد ضياء قوى ، لكن الشاعر جعلها حالة أخرى منفصلة في قوله : " وإن لم يلح " وكأن لم يكن قبلها برق ، ثم شتان ما بين جواب الشرط في الآية
( قامُوا )
وبين جواب الشرط في الشعر : ( فالقوم بالسير جهّل ) ولاحظ ما في اللفظ القرآني من إيجاز وإشعار بأن القوم لم يتوقفوا حسب ولكن مع ذلك بهتوا وانزعجوا ، لأن القيام لا يكون إلا لأمر ذي بال ، ثم لك أن تتصور حركة القوم المضطربة عندما يختفى ضوء البرق ، وقيامهم ينتظرون عودته مرة أخرى ، وكأن فترة الانتظار طالت حتى تعبوا من الانتظار فهم ما بين جلوس وقيام يتشوقون وينتظرون .