2 - موقع المعنى وتشكيله في إطار الصورة :
قال تعالى :
( إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )
« 1 » [ يونس : 24 ] .
يقول ابن ناقيا : " فالتشبيه في الآية أحسن موقعا وأبلغ معنى من جميع ما وصف به حال الدنيا وميل النفوس إليها مع قلة صحبتها والاستمتاع بلذتها " « 2 » لكنه يأتي بشواهد من الشعر كثيرة لا تفيد أكثر من أن العرب تنزل حيث ينزل الغيث وينبت الكلأ ، ولا يصح له ما يشبه المعنى القرآني من حيث التحول من الخضرة والظل إلى الجفاف والهشيم إلا معنى أو معنيان كقول ذي الرمة :
يا صاحبىّ انظرا آواكما درج * عال وظلّ من الفردوس ممدود
حتى إذا وجفت بهمى لوى لبن * وابيضّ بعد سود الخضرة العود « 3 »
ظلّت تخفّق أحشائى على كبدي * كأنني من حذار البين مورود
وقريب منه في مطلق التحول والنضرة على الذبول قول أبى العتاهية :
عريت من الشباب وكنت غضا * كما يعرى من الورق القضيب
وكأنما اجتنى ثمرة هذا البيت من الجعدي في قوله :
وما البغى إلا على أهله * وما الناس إلا كهذا الشجر
ترى الغصن في عنفوان الشباب * يهتز ذا بهجات خضر
زمانا من الدهر ثم التوى * فعاد إلى صفرة فانكسر
ومجموع هذه الصور الشعرية تلتقى مع الآية الكريمة في البداية المفرحة والنهاية المحزنة ، لكن الصورة القرآنية تتميز عن تلك الصورة الشعرية بأمرين :
الأول : موقع الصورة ووظيفتها
الثاني : تشكيل هذه الصورة بالتفاصيل الدقيقة التي تحقق تلك الوظيفة .
هامش
( 1 ) غني بالمكان : إذا أقام به ، والمغاني : المنازل - المصباح فالمعنى في الآية - واللّه اعلم - كان لم تعمر بزرعها وأهلها بالأمس
( 2 ) الجمال في تشبيهات القرآن 58
( 3 ) وجفت : حرب ، والوجيف : ضرب من السير ، ولبن : موضع .