الحجارة ولا ننتظره من أصحاب القلوب القاسية . إن كل هذه المعاني تعد سياقا وإطارا للتشبيه ، ولا يمكن تقديره وفهمه إلا من خلالها .
ونعود إلى ابن ناقيا فقد وقف عند هذا التكميل في الآية
( وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ )
. . . الآية فيرى فيه بيانا لصيرورة قلوبهم أشد قسوة من الحجارة ، وأن بعض الشعراء المولدين اقتفى معناها كقول أحدهم :
يا شبيه البدر في الحسن وفي بعد المنال * جد فقد تنفجر الصخرة بالماء الزلال
وقوله :
ولا تعجبا للجلد يبكى فربما * تفطّر من عين من الماء جلمد
ثم يقول : " ومعنى التنزيل أتم وأعم وأوفى وأعلى " وهذه طريقته التي لا يتجاوزها في مجال الموازنة ، وحسبه على كل حال أنه التقط من الأبيات ما يظهر فيه التأثر بالآية القرآنية .
فإذا نظرنا في كيفيات التعبير والصياغة وجدنا بعدا شديدا بينهما فشتان ما بين قوله تعالى
( وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ )
وبين البيتين السابقين ، نجد في صورة المعنى القرآني أثرا من آثار القوة الدالة على عظمة المتحدث إذ نجد المعنى مؤكدا بأن التي تصدرت الجملة واللام التي دخلت على الخبر
( لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ )
بما يدل على قدرة العليم الخبير الذي يخرج الحي من الميت ، على أنه لم يقل وإن اللّه يخرج الأنهار من الحجارة ؛ لأنه ليس بصدد الحديث أساسا عن تلك القدرة ، وإنما الحديث أصالة بشأن تلك القلوب القاسية والتي هي أقسى من الحجارة حتى لينتظر الخير من الحجارة ولا ننتظر من تلك القلوب خيرا أبدا .
ويشير التأكيد الواثق في هذه الجملة (
وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ )
إلى أنها حقيقة تخلو من أي مبالغة ، وقد توخى في صياغتها ما يدل على كمال صدقها كما نرى في حرف الجر ( من ) الذي يشير إلى عدم إطراد الظاهرة ، فليست كل حجارة يتفجر منها الأنهار ولكن بعضها ، ثم جمع ( الأنهار ) للإشارة إلى