البعث بعد الموت ، ولهذا كانت قصة البقرة والرجل الذي قتلوه ليكون مثلا عمليا دالا على قدرة اللّه سبحانه على البعث
( كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ )
.
لكنهم اتجهوا اتجاها معاكسا فقست قلوبهم ، وهذا هو السياق الذي ورد فيه تشبيه قلوبهم بالحجارة .
على أن القرآن تدرج في البداية بالوصف الدال على علم اللّه بموقفهم بعد ما ظهر لهم ما ظهر من قدرته سبحانه
( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ )
ثم ترقى من هذا الخبر إلى التشبيه الكاشف عن مدى تلك القسوة
( فَهِيَ كَالْحِجارَةِ )
ثم ترقى إلى درجة ثالثة هي النهاية في الوصف
( أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً )
وهو بهذا لا يفاجئنا بالتشبيه الذي يصور قلوبا بالحجارة ، وإنما يسير مع المعنى سيرا طبيعيا وفق ما يقع في الواقع من القسوة التي جاءت بعد طول الأمن كما تدل عليه
( ثُمَّ )
في قوله
( ثُمَّ قَسَتْ )
فمن شأن تلك القسوة التي جاءت بعد طول مدى أن تكون شديدة
( فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً )
ثم لما كان الإضراب عن التشبيه إلى ما هو أقوى منه في الدلالة على مدى تلك القسوة ، ولما كان وصف الذي ينبض بالحياة بأنه أشد قسوة من الحجارة مثار تساؤل ، أزال ذلك الإبهام بقوله :
( وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ
« 1 »
وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ )
[ البقرة : من الآية 74 ] . وهذه العبارة لا تكشف إبهام قوله
( أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً )
فحسب ، ولكن تتضمن إلى جانب هذا اللفت إلى مزيد من قدرة اللّه وعظمته مع الإشارة إلى أن قلوبهم لا يرجى منها لين أبدا ، وقد صدق اللّه فيما ضمن من حديثه ، كما تشير هذه العبارة إلى سبب الداء الذي أصاب قلوبهم وهو التبلّد وعدم الشعور بالخوف من اللّه ، وذلك في قوله :
( وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ )
، فإذا كانت قلوبهم أشد قسوة من الحجارة ، ومن الحجارة ما يهبط من خشية اللّه ، فمعنى هذا أن قلوبهم لم تعرف تلك الخشية ، وهذا هو السبب في قسوتها ، ناهيك عن إشارة قوله :
( وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ )
إلى أن ننتظر الخير من
هامش
( 1 ) - هي العيون التي تتلاقى في مجال أوسع تصب فيه .