لم يكن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عنده علم بموسى ولا أحد من المسلمين ولم يكن بين أيديهم صحف بالعربية تدلهم على سيرة موسى إلا اليهود والنصارى أما المسلمون فكانوا يستشرفون ويتطلعون لمعرفة الإجابة ، وأما اليهود والنصارى فكانوا يتربصون اختبارا وانتظارا لخطأ ما أو تناقض ، فالكل يصغى ويستشرف في التباه شديد ، ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم يتابع ما يتلقاه من شفرات الوحي :
( إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً )
[ طه : 10 ] .
وهنا يعقد ديدات مقارنة بين هذا الإيجاز الحاسم وبين ما ورد بشأن قصة موسى في سفر الخروج وما فيها من تفصيلات تبتعد عن قداسة النص الإلهي وتبعد عن طريقته سبحانه في الحديث « 1 » .
وفضلا عن هذا فإن النص القرآني حافل بالمعاني الروحية التي تنبثق من الآيات المنتظمة الإيقاع ، كل من الإيقاع المسجع والمعنى العميق في القرآن هو موطن السر الإعجازي « 2 » .
والحق أنه لا ينبغي أن يطلب من رجل أعجمي حديث عهد بالإسلام والقرآن أكثر من هذا ، وإن كان يعد ما استنبطه أقل ما يمكن في خصوصيات القرآن وجهات تميزه وأسرار إعجازه ، فليس الإيقاع المسجع ولا المعنى العميق وحدهما يرجع إليهما سر الإعجاز القرآني مع أن الإيقاع يرتبط بطريقة الأداء اللافتة التي يمكن أن تكون هي أول شئ يستوقف من يصغي للقرآن لأول مرة .
ولعل هذه حكمة اللّه سبحانه في الطريقة الفريدة لصياغات القرآن بحيث يستولي ما فيه من انسجام واتساق وتوازن وإيقاع على حواس من يستمع إليه لتكون له وقفة وتساؤل ، وحينئذ ينتقل للإصغاء إلى معانيه ، ولهذا كان من الطبيعي أن يرتبط الإيقاع المسجع بالمعنى العميق في ذهن أحمد ديدات ليرى فيهما موطن الإعجاز الأول ، وهو يقصد بالمعنى العميق المعاني الجديدة التي تتصل بهدى القرآن وتشريعه وأخلاقه التي تنظم حياة الفرد والجماعة والأمة في كل نواحيها
هامش
( 1 ) انظر القرآن معجزة المعجزات 69 .
( 2 ) نفسه 71 .