تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
ثم يأتي المؤلف بصورتين قرآنيتين : الأولى عناصرها من البيئة الجغرافية العربية كقوله تعالى
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ )
[ النور : 39 ] . والثانية عناصرها على عكس تلك من بيئة أخرى كقوله تعالى
( أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ )
[ النور : 40 ] . فهذه الصورة ليس لها صلة بالمستوى العقلي أو بالمعارف البحرية في العصر الجاهلي ، وإنما هي في مجموعها منتزعة من بعض البلدان الشمالية التي يلفّها الضباب ، ولا يمكن للمرء أن يتصورها إلا في النواحي كثيفة الضباب يلفّها الضباب ، ولا يمكن للمرء أن يتصورها إلا في النواحي كثيفة الضباب في الدنيا الجديدة أو في ( أيسلندا ) « 1 » ، فلو افترضنا أن النبي رأى في شبابه منظر البحر فلن يعدو الأمر شواطئ البحر الأحمر ، وغني عن البيان أن العصر القرآني كان يجهل كلية تراكب الأمواج وظاهرة امتصاص الضوء واختفائه على عمق معين في الماء ، وعلى ذلك فما كان لنا أن ننسب هذا المجاز إلى عبقرية صنعتها الصحراء ولا إلى ذات إنسانية صاغتها بيئة قارية " « 2 » . فهذه إشارة جيدة تثبت أن القرآن لا يمكن أن يكون من تأليف محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأنه قطعا من عند اللّه . ومع هذه الإشارات فإن مالك بن نبي يعترف بأنه لا يمتلك الأدوات التي تجعله يتذوق بلاغة هذه اللغة تذوقا علميا يمكّنه من التفريق بين أسلوب وأسلوب ، ومعرفة الخصائص التي يتميز بها أو يتفوق بها هذا على ذلك ، مع إلحاح هذه الفكرة عليه ، بل لقد أكد على قيام هذه الفكرة في أذهان الغربيين وغير العرب
هامش
( 1 ) تفسير مجيء صورتين متواليتين إحداهما من البيئة العربية والثانية من بينة أخرى مختلفة إن القرآن لم ينزل للعرب وحدهم ولكنه للناس جميعا لا سيما وان الصورتين تشتركان معا في تصوير معنى مهم وهو اعمال الكفار التي يعتقدون أنها مدخره لهم تنفعهم . فالصورة الأولى توضيح فساد هذه الأعمال وعدم جدواها ، والصورة الثانية توضح الحيرة النفسية التي تلف كيان هؤلاء ونستبدلهم فلا يخرجون من ظلام الا إلى ظلام آخر . ( 2 ) الظاهرة القرآنية 296
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 129 | محمد ابراهيم شادي