نجرد الكتاب من حديث الإعجاز ، فلقد كانت فيه ومضات تبرق في الحديث عن خصوصية القرآن وكل حديث عن خصوصية هذا الكتاب العزيز فهو حديث عن الإعجاز .
البحث عن التميز عند مالك بن نبي :
لقد كانت فكرة البحث عن تميز الأسلوب القرآني عن الشعر الجاهلي من الأفكار التي راودته في الفصول الأخيرة من كتابه ، ولكنه كان يرى أن تحقيق هذه الفكرة من الصعوبة بمكان بالنسبة لمن ليست له سيطرة على عبقرية اللغة العربية ولا خبرة له كافية ببلاغة هذه اللغة يقول : " إن سيطرتنا القاصرة على عبقرية اللغة الجاهلية لا تسمح لنا بأن نحكم - عن معرفة - على سمو الأسلوب القرآني " « 1 » .
وهذا ما جعله يعوّل على دليل منطقي آخر يستمده من قوله تعالى
( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ )
[ البقرة : 23 ] .
فهذه الآية تؤكد إعجاز القرآن للعبقرية الأدبية عند العرب ، إذ لم يذكر التاريخ أن أحدا قد أجاب على هذا التحدي ، وبهذا يمكن أن نستخلص أنه قد ظل دون تعقيب وأن إعجازه الأدبي قد أفحم فعلا عبقرية ذلك العصر .
ولكن اعتراف مالك بن نبي بقصور سيطرته على عبقرية اللغة الجاهلية لم يمنعه من إجراء بعض الموازنات الذهنية السريعة بين لغة القرآن ولغة الشعر الجاهلي والتي يدل عليها ملاحظته تميز القرآن بألفاظه الجديدة التي لم تكن موجودة في بيئة الجاهليين وملاحظة الاستخدام الفذ للكلمات في القرآن وخاصة في مجال الأخرويات ( على حد تعبيره ) وتجاوزه الحدود التقليدية للأدب الجاهلي وما فيه من أفكار دينية ومفاهيم توحيدية أدت إلى هذا ، ثم يقول : والحق أن القرآن أحدث انقلابا هائلا في الأدب العربي بتغييره الأداة الفنية في التعبير ، فهو من ناحية قد جعل الجملة المنظمة في موضع البيت الموزون وجاء من ناحية أخرى
هامش
( 1 ) الظاهرة القرآنية 189 .