الناشئ من الفواصل القرآنية والتي تحقق ذلك التناسق التصويرى ، ثم يرقى إلى أفق آخر يحقق ذلك التناسق وهو حسن توزيع الكلمات المتناسبة المتآخية في الجملة أو الآية أو الآيات ، ويستشهد لهذا بالتناسق والتناسب بين كلمتي الفلق والغاسق باعتبارهما من مشاهد الطبيعة ، والتآخي بين " النفاثات في العقد " و " حاسد إذا حسد " باعتبارهما مخلوقين آدميين وذلك في سورة الفلق « 1 » .
ثم يترقى من هذا إلى مشاهد قرآنية يتحقق فيها ذلك التناسب ، والحق أن ذلك التناسق سمة لكل كلمات القرآن وجمله وآياته وسوره ، وهو نفسه التناسب الذي اهتم به البلاغيون والمفسرون اهتماما بالغا وإن زعم سيد قطب " أن التناسق الفنى في التصوير القرآني كان بعيدا عن آفاق بحثهم " « 2 » ومن أراد دليلا على أن القدماء قد عنوا بهذه الظاهرة عناية كبيرة ، وقالوا فيها كلاما يتضاءل إلى جانبه ما ذكره سيد قطب ، من أراد دليلا على هذا فليراجع التفسير الكبير للرازي والإتقان للسيوطي ناهيك عن نظم الدرر للبقاعى الذي ترقى في البحث عن التناسب من الجزئيات في الجملة والآية إلى الكليات في السورة الكاملة ثم في ترتيب سور القرآن حتى لقد كان يربط بين معنى في سورة مريم ونظيره في سورة الكهف قبلها ثم في الإسراء قبل الكهف .
سيد قطب والبحث عن الإعجاز : إن كثيرا مما ذكره سيد قطب يصعب عده من الإعجاز ؛ لأنه وإن أشبع الحديث عن التصوير الفنى في القرآن فإنه لم يحدد لنا خصوصيات التصوير القرآني ، وما يمكن أن يدخل في البحث عن التميز ، لا سيما وأن غير قليل من سمات التصوير القرآني التي ذكرها يمكن أن نجد لها نظيرا في الشعر كتقديم المعاني الذهنية في صور حسية والتخييل بالتجسيم والتشخيص ثم التناسق بالجرس والظلال وغير ذلك من سمات التصوير التي ذكرها ، فأين ما يمكن عده من خصوصيات التصوير القرآني والذي يدخل في باب الإعجاز ؟ كان يمكن أن يقف
هامش
( 1 ) راجع التصوير الفنى في القرآن 6 / 1
( 2 ) التصوير الفنى 89 .