الانتقال من الحكاية إلى الدعاء من إعجاز فني بارز يريد وضوحا لو فرضت استمرار الحكاية ورأيت كم كانت الصورة تنقص لو قيل : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل يقولان ربنا . . إلخ . إنها في هذه الصورة حكاية وفي الصورة القرآنية حياة ، وهذا هو الفارق الكبير . إن الحياة في النص لتثب متحركة حاضرة ، وسر الحركة كله في حذف لفظة واحدة ، وذلك هو الإعجاز « 1 » .
ومضى سيد قطب يذكر من موارد التصوير القرآني الذي يرسم للمعاني والمشاعر صورا شاخصة مؤثرة : مسائل العقيدة وشاهد القيامة والنعيم والعذاب ومشاهد الطبيعة الصامتة ، وكثير من تلك الموارد التصويرية يمكن أن يضمها سلك واحد ذكره البلاغيون القدماء وهو تشبيه المعقول بالمحسوس أو التشبيه التمثيلي أو المثل بوجه عام وكلها تسهم في تقديم المعاني الذهنية في صور حسية لافتة بحيث تجعل المتلقي في أفضل حالات اليقظة والتجاوب الفكري والنفسي .
عناصر التصوير :
سبق أن سيد قطب يرى التصوير هو القاعدة الأساسية للتعبير في القرآن ، وقد توسع في تتبعه عناصر التصوير وضروبه حتى كاد يكرر بعض كلامه بعضا ، فهو مثلا يرى من ضروب التصوير القرآني تقديم المعاني الذهنية في صور حسية ثم التخييل الذي نراه في تجسيم المعنويات في صور محسوسة أو تشخيص الجمادات بتحريكها وبث الحياة فيها ، فكل من التجسيم والتشخيص يعتمد على التخييل ولم يستطع سيد قطب أن يفصل بين هذه الضروب فتداخل بعضها في بعض حتى لا تجد فرقا بين التجسيم وبين تقديم المعاني الذهنية في صور حسية . وشواهد هذا وذاك عنده لا تختلف في طريقتها وفي اعتمادها على ضرب من التشبيه التمثيلى الذي يجسد المعنويات ويخرج المعقولات في صور محسوسة ، ولم يكن ذلك سهوا منه أو غفلة بل لقد كان يدرك هذا وهو يستشهد للتجسيم بالصور نفسها التي سبق أن استشهد بها لتقديم المعاني الذهنية في صور محسوسة كقوله تعالى :
( مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ
هامش
( 1 ) التصوير الفنى في القرآن 57 .