تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
الأمر الثاني : الذي عمد إلى تنحيته هو الغرض الديني الكامن من وراء كل صورة حتى تكون دراسته خالصة للناحية الفنية كما يذكر ، والحق أننا لا ينبغي أبدا أن نفصل بين الوسيلة التصويرية والغاية الدينية ، وما الأدوات التصويرية في القرآن إلا لغايات دينية ، وبين هذين الأمرين ارتباط شديد حتى نجد سيد قطب عندما يعرض لقوله تعالى :
( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ )
[ الأعراف : 176 ] . يعقب بقوله : " وفي الصورة تحقير وتقذير ، وذلك غرض ديني لا شأن لنا به هنا ، ولكنها من الوجهة الفنية صورة شاخصة فيها الحركة الدائبة وهي صورة معهودة ، فهي في تثبيت المعنى المراد بها أشد وأقوى ، وهكذا يلتقى الغرض الديني بالغرض الفني كالشأن في جميع الصور التي يرسمها القرآن " « 1 » . فتجده ينفى الغرض الديني ويستبعده في صدر عبادته ثم يثبته في نهايتها ؛ لأنه فيما يبدو لم يجد مفرا من التسليم والرضوخ لواقع التصوير القرآني الذي ترتبط فيه الصورة بغايتها الدينية ارتباطا وثيقا بحيث لا تتبين قيمة الصورة الفنية إلا بالكشف عن المعنى الذي تهدف إليه والغرض الذي يكمن فيها . والباحث المنصف حقا من لا يرى بأسا في العودة للحق عندما يلوح شعاعه ، ولعل هذا يتجلى عندما يقدم الغاية الدينية على التحليل الفنى في قوله : " ويريد - القرآن - أن يوضح حالة تزعزع العقيدة حيث لا يستقر الإنسان على يقين ، ولا يحتمل ما يصادفه من الشدائد بقلب راسخ ، ولا يجعل عقيدته بمعزل عن ملابسات حياته بعيدة عن ميزان الربح والخسارة فيرسم لهذا التزعزع صورة تهتز وتترنح وتوشك على الانهيار :
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ
[ الحج : 11 ] .
هامش
( 1 ) التصوير الفنى في القرآن 45 .