فيها مؤلفا خاصّا في ثمانية عشر مجلدا ، ذكر فيه جميع القراءات من المشهور والشواذ ، وعلل ذلك وشرحه واختار منها قراءة لم يخرج بها عن المشهور » « 1 » - وإن كان هذا الكتاب قد ضاع بمرور الزمن ، ولم يصل إلينا شأن الكثير من مؤلفات الطبري رحمه اللّه .
ومن مبادئ الطبري في التفسير انصرافه عما لا فائدة فيه : « فالمؤلف لا يهتم في تفسيره كما يهتم غيره من المفسرين بالأمور التي لا تغنى ولا تفيد ، فنراه مثلا عند تفسيره لقوله تعالى :
إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ . . .
إلى قوله تعالى . .
وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
« 2 » .
فهو يعرض لذكر الروايات في نوع الطعام الذي نزلت به المائدة ، ثم يعقب على هذا بقوله : وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة أن يقال كان عليها مأكول وجائز أن يكون سمكا وخبزا ، وجائز أن يكون تمرا من الجنة ، وغير نافع العلم به ولا ضار الجهل به ، إذا أقرّ تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل » « 3 » - فعلم لا ينفع وجهل لا يضر ، يعنى أن معرفته أو الجهل به لا يقدم ولا يؤخر في مسائل العقيدة ، وقس على هذا المنوال في المسائل الخلافية .
كيفية معالجته للأحكام الفقهية :
كذلك نجد في تفسير الطبري آثارا للأحكام الفقهية ، يعالج فيها ابن جرير أقوال العلماء ومذاهبهم ، ويخلص من ذلك كله برأي يختاره لنفسه ويرجحه بالأدلة العلمية - فهو فقيه دارس ومجتهد صاحب مذهب .
هامش
( 1 ) معجم الأدباء لياقوت الحموي ج 18 ص 45
( 2 ) من الآيات [ 112 ، 113 ، 114 ] المائدة .
( 3 ) جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري ج 5 من ص 133 إلى ص 135 بتصرف .