تقرأ على وجوه من القرآن تسمى حرفا . ويجوز أن يكون المراد بالحروف الرموز لأنها حروفهم الدالة عليهم ، ويدل عليه قوله بعد ذلك : جعلت أبا جاد ، كأن قائلا قال له وما تلك الحروف التي ترجو طوع القوافي بها ، فقال ذلك ، ويطوع بمعنى ينقاد ، فكأنه ضمنه معنى يسمح فعداه بالباء ، والقوافي جمع قافية ، وهي كلمات أواخر الأبيات بضابط معروف في علمها ، وقد نظمت فيها الأرجوزة الوافية بعلمى العروض والقافية ، ومسهلا حال من النظم ، ثم قال :
45 - [ جعلت أبا جاد على كلّ قارئ * دليلا على المنظوم أوّل أوّلا ]
أي صيرت حروف أبى جاد فحذف المضاف للعلم به : أي جعلتها دليلا على كل قارئ ذكرته في هذا النظم ، فقوله : على المنظوم بدل من قوله : على كل قارئ بإعادة العامل ، أو يكون معمول عامل مقدر : أي مرتبا على ما نظمته ، وتقدير أوّل : أوّلا أوّلا فأوّلا ، أو أوّلا لأوّل ثم حذف الحرف وركبت الكلمتان معا وبنيتا على الفتح : أي الأوّل من حروف أبى جاد للأوّل من القراء والثاني للثاني ، وهكذا إلى أن ينتهى عدد القراء السبعة والرواة الأربعة عشر ، وحروف أبى جاد : هي حروف المعجم المعروفة ، جمعت في كلمات أوّلها أبجد وكان أصله أبو جاد فحذفت منه الواو والألف لئلا تتكرر الصور ، لأن أوّل أبجد ألف ، وفي هوز واو ، وقد بسطنا الكلام في ذلك في الشرح الكبير ، وصفا لنا من الحروف سبع كلمات كل كلمة لواحد من السبعة وراوييه على ترتيب نظمه ، الأوّل للشيخ ، والثاني لأوّل الراويين ، والثالث لثانيهما ، ولا يعدّ في القراء اليزيدي ولا سليم ، لأنه إنما ذكرهما لبيان السند لمن قرأ عليهما لا لتنسب القراءة إليهما ، والكلمات هي : أبج دهز حطى كلم نصع فضق رست ، وهي تجىء نصف بيت بتسكين الحرف الوسط من دهز كلم نصع وتحريكه من البواقي ، وتمام البيت دليل على المنظوم أوّل أولا ، فالألف لنافع ، والباء لقالون ، والجيم لورش ، والدال لابن كثير ، وهكذا إلى آخرهم ، فتكون الراء للكسائى ، والسين لأبى الحارث ، والتاء للدورى عنه « 1 » وله عن عن أبي عمرو الطاء من حطى ، هذا عقد هذا الاصطلاح .
[ بيان الرموز التي يشير لها الناظم إلى القراء السبعة ورواتهم ]
وننبه بعد ذلك على فوائد تتعلق باستعماله لهذه الحروف لم يتعرض لها ، وإنما فهمتها من تصرفه في نظمه .
منها : أن هذه الحروف لا يأتي بها مفردة ، بل في أوائل كلمات قد ضمن تلك الكلمات معاني صحيحة مفيدة فيما هو بصدده ، من ثناء على قراءة ، أو على قارئ ، أو تعليل ، أو نحو ذلك ، على ما سيأتي بيانه ، كقوله : وبسمل بين السورتين بسنة البيت ، ومالك يوم الدين راويه ناصر ، سلاسل نون إذ رووا صرفه لنا ، وقد يأتي بها بعد الواو الفاصلة كقوله : ألا وعلا الحرمى إن لنا هنا ، وكم صحبة يا كاف ، ودون عنادعم ، وحكم صحاب قصر همزة جاءنا ، فالحاء من حكم رمز لأبى عمرو ، فكأنه قال : وأبو عمرو وفلان وفلان يقرءون كذا ، وكذلك الدال من ودون لابن كثير ، والكاف من وكم لابن عامر ، والعين من وعلى لحفص ، ولا يأتي ذلك إلا حيث يكون الواو زائدة على الكلمة ، فالعين من قوله : وعى نفر ليست برمز ، وكذا قوله في سورة النحل : معا يتوفاهم لحمزة وصلا سما كاملا يهدى ، الواو في وصلا فصل وهي أصلية ، فالصاد ليست برمز داخل مع سما كاملا ،
هامش
( 1 ) أي إذا كان راويا عن الكسائي ؛ وللدورى أيضا إذا كان راويا عن أبي عمرو البصري الطائي .