يشير إلى عظم الرزانة وتوفرها إن قصد الكثيب أو المكيال ، وإن قصد التاج قدرت الحال بمتوجا ، ومن كلامهم جلس فلان وعليه السكينة والوقار ، فإن قلت علام : عطف قوله « ويممه » قلت : يحتمل وجهين : أحدهما أن يكون عطفا على معنى المرتضى : أي هو الذي ارتضى أمة ويممه الوقار ، فهو من باب قوله تعالى :
( إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا )
« 1 » .
أي إن الذين تصدقوا وأقرضوا ، ويكون مضمون البيت ثناء عليه بأنه مرتضى كامل العقل . والوجه الثاني :
أن يكون معطوفا على « كان أمة » أي إذا اتصف بهاتين الصفتين : أي أن قارئ القرآن إنما يرتضى للاقتداء به ويقصد للانتفاع به بشرطين وهما أن يكون جامعا للخير ، وافر العقل ، واللّه أعلم .
9 - [ هو الحرّ إن كان الحرىّ حواريا * له بتحرّيه إلى أن تنبّلا ]
هو ضمير القارئ المرتضى قصده : الذي هو أمة وافر العقل . أو يكون ضمير القارئ مع الإعراض عن تلك الأوصاف ، لأنه يغنى عنها اشتراطها بقوله : إن كان الحرىّ أي إن كان الحرى بها ، ولهذا قال بعضهم :
إنّ إن بمعنى إذ ، ولو أراد الناظم ذلك لقال إذ وكان تعليلا ، والوزن موافق له ، فلا حاجة إلى ارتكاب ما لم يثبت لغة ، وإن ثبت فهو لغة بعيدة ضعيفة . فإن قلنا : هو ضمير القارئ بصفاته فكل بيت كأنه تأكيد لما قبله ، وإن قلنا هو ضمير القارئ مطلقا كان كل بيت مستقلا بالغرض من وصفه بما يستحق به الإمامة والحرية . على أنى أقول قوله ، بتحريه صلة الحرى ، وليس المراد الحرى بها بل الحرى بالتحري ، وقوله « حواريا له » معترض بينهما والحر : الخالص من الرق : أي لم تسترقه دنياه ولم يستعبده هواه لأنه لما تحقق بتدبر القرآن ، وفهم معانيه صغرت في عينه الدنيا وأهلها كقوله تعالى :
( وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ )
،
( وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ
« 2 »
)
.
( وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ )
. « 3 »
( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى )
« 4 » .
إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى ، وما أحسن ما قاله الشاطبى رحمه اللّه من قصيدة له :
لمن يترك القرّاء ورد فراته * ورودا من الدّنيا أجاج المشارب
ولو سمع القرّاء حين اقترائهم * لفى آل عمران كنوز المطالب
بها ينظر الدّنيا بعين احتقارها * فقيه المعاني غير عانى الذّوائب
يعنى قوله تعالى :
( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ )
إلى قوله
( ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ
« 5 »
)
هامش
( 1 ) سورة الحديد ، آية : 18 .
( 2 ) سورة الحديد ، آية : 20 .
( 3 ) سورة العنكبوت ، آية : 64 .
( 4 ) سورة طه ، آية : 31 .
( 5 ) سورة آل عمران ، آية : 14 .