تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إبراز المعاني من حرز الأماني في القراءات السبع — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
وما أحلى قوله « فقيه المعاني » : يعنى من أعطاه اللّه فهما وفقها في معاني القرآن العزيز فهذا هو الذي يحتقر الدنيا عند تلاوته لهذه الآية ونظائرها ، لا الفقيه الذي هو أسير الذوائب المتقيد بلباسه وخدمة أهل الدنيا ؛ ففقيه المعاني محرر عن رق الأشياء . ويحتمل قوله هو الحر معاني أخر ذكرناها في الكبير والحرىّ بمعنى الحقيق . والحوارى الناصر الخالص في ولائه والياء مشدّدة خففها ضرورة ، والتحري القصد مع فكر وتدبر واجتهاد : أي يطلب - هو الأحرى ، والهاء في « له » للقرآن العزيز ، وفي تحريه للقارئ أو للقرآن وحواريا خبر لكان بعد خبر أو حال من ضمير الحرى العائد على القارئ . ويجوز أن يكون بتحريه متعلقا بحواريا : أي ناصرا له بالتحري ، أو تكون الباء للمصاحبة : أي مصاحبا للتحرى فيه ، هذا كله على أن يكون التقدير : إن كان الحرىّ بالأوصاف السابقة ، والأولى ألا يتعلق قوله « بتحريه » بالحرى كما سبق ، وقوله إلى أن تنبلا - متعلق بالتحري أو بحواريا ؛ ومعنى تنبل مات ، أو أخذ الأنبل فالأنبل أي انتفى ذلك من المعاني التي تحتملها ألفاظ القرآن .
10 - [ وإنّ كتاب اللّه أوثق شافع * وأغنى غناء واهبا متفضّلا ]
هذا حث على التمسك بالقرآن العزيز وتحريه ، والعمل بما فيه ، ليكون القرآن العزيز شافعا له ، كافيه كل ما يحذر ، واهبا له ، متفضلا عليه بما يلقاه من ثواب قراءته والعمل به ، وفي الصحيح عن أبي أمامة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ( اقرءوا القرآن فإنّه يجيء يوم القيامة شفيعا لأصحابه ، اقرءوا البقرة وآل عمران ، فإنّهما الزّهراون تأتيان يوم القيامة كأنّهما غمامتان تحاجّان عن صاحبهما ) . وفي كتاب الترمذي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ( إنّ سورة في القرآن ثلاثين آية شفعت لرجل حتّى غفر له ، وهي : تبارك الّذى بيده الملك ) قال : هذا حديث حسن ، وأوثق من قولهم شيء وثيق : أي محكم متين : وقد وثق بالضم وثاقة ، وإنما وصفه بذلك لأن شفاعته مانعة له من وقوعه في العذاب ، وشفاعة غيره مخرجة له منه : بعد وقوعه فيه والغناء بالفتح والمد الكفاية وفعله أفعل كقوله تعالى :
( ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ )
« 1 » . فقوله « وأغنى غنا » أي وأكفى كفاية : أي كفاية القرآن العزيز أتم من كفاية غيره ، فأغنى في هذا البيت ليس فعلا ماضيا ولكنه أفعل التفضيل ، وبناؤه من غير الثلاثي المجرد شاذ ، والقياس أن يقال : أشد غناء ، أو أتم غناء ، أو نحو ذلك . ويجوز أن يقال : هو من غنى . إذا استغنى ، أو من غنى بالمكان : إذا أقام به ، فمعناه على الأوّل أنه غنى من كفاية ما يحذر حامله ملىء بها واسع جوده . وعلى الثاني أنه دائم الكفاية مقيم عليها ، لا يسأم منها ولا يمل ، ولا بد من تقدير مضاف محذوف قبل غناء على الوجهين أي وأغنى ذي غناء ، لأن المراد أن القرآن أثرى ذوى الكفايات وأدومهم عليها . ولك أن تقدر مثل ذلك في الوجه الذي بدأنا به : أي والقرآن أكفى ذوى الكفايات .
هامش
( 1 ) سورة الحاقة ، آية : 28 .