تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إبراز المعاني من حرز الأماني في القراءات السبع — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
وتلخيص اللفظ على الأوجه الثلاثة أن نقول : التقدير وأغنى مغن ، والمغنى الكافي ولا يتغير معناه عن ذلك في الوجوه كلها ؛ وإنما المعاني الثلاثة في لفظ أغنى ، ولولا تقدير المضاف المحذوف للزم نصب غناء لأن أفعل لا يضاف إلا إلى ما أفعل بعضه ، والقرآن ليس بعض الكفاية فيجب النصب كقولك : هو أفره عبدا بالنصب إذا كانت الفراهية في العبد وهو ليس بعبد « وواهبا ومتفضلا » حالان من الضمير في أغنى العائد على كتاب اللّه تعالى . وقيل النصب على التمييز كقولك : هو أغناهم أبا ، وقيل إن قلنا إن أغنى بمعنى أثرى فالنصب على التمييز وإن قلنا بالوجهين الآخرين فالنصب على الحال ، وقد بينا فساد هذين القولين « 1 » في الكتاب الكبير ، واللّه أعلم .
11 - [ وخير جليس لا يملّ حديثه * وترداده يزداد فيه تجمّلا ]
« وخير » مثل قوله : وأغنى كلاهما معطوف على أوثق ؛ ولا يمل حديثه صفة خير أو جليس ؛ أو هو خبر بعد خبر ، لأن كل قول مكرر مملول ، إلا القرآن العزيز فإنه كلما كرر حلا واقتبس من فوائده ما لا يدخل تحت الحصر ، وأجر على تلاوته بكل حرف عشر حسنات ، فهو خير جليس ، وكيف يمل حديثه وهو أحسن الحديث ؟ كما قال سبحانه :
( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ
« 2 »
)
. وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم . « مثل صاحب القرآن مثل جراب مملوء مسكا يفوح به كلّ مكان » . فأي جليس أفضل منه ؟ والترداد : بفتح التاء مصدر ردده ترديدا وتردادا ، والهاء المتصلة به تعود على القارئ أو على القرآن العزيز ، لأن المصدر يجوز إضافته إلى الفاعل وإلى المفعول ، فهو كما سبق في قوله بتحريه والضمير المستكنّ في يزداد يحتمل الأمرين ، والهاء في فيه عائدة على الترداد ، وفيه : بمعنى به : أي يزداد القرآن بالترداد تجملا لما يظهر من تلاوته ونوره وحلاوته وفصاحته ، أو يزداد القارئ بالترداد تجملا لما يقتبس من فوائده وآدابه وجزيل ثوابه . ويجوز أن يكون الضمير في يزداد للترداد وفي فيه للقارئ ، وتكون فيه على ظاهرها لا بمعنى به ، وتجمل الترداد يؤول إلى جمال حاصل في القارئ وزينة له ، واللّه أعلم .
12 - [ وحيث الفتى : يرتاع في ظلماته * من القبر يلقاه سنا متهلّلا ]
كنى عن القارئ بالفتى وصفا له بالفتوة ، وهي خلق جميل يجمع أنواعا من مكارم الأخلاق ، ويرتاع : أي يفزع ؛ والهاء في ظلماته للفتى : أي في ظلماته الناشئة من القبر ووحشته ، وإنما أضافها إليه لملابستها له ،
هامش
( 1 ) لا يظهر وجه فساد القولين ، غير أن يقال : إذا جعل واهبا ومتفضلا تمييزان ، يصير معناه أغنى ذوى غناء هبة وتفضلا فيكون نسبة أغنى في الحقيقة إلى الهبة والتفضل ، وهذا ليس بلائح الوجه إلا على طريقة المجاز ، هذا غاية ما يمكن في توجيه الفساد ، وفيه ما فيه . ( 2 ) سورة الزمر ، آية : 23 .