يعنى افتح الياء المضمومة والحاء المكسورة ، وكان يمكنه أن يقول : وتاء استحق افتح لحفص حاءه ، ولكن المعنى كان يختل في التاء دون الحاء ، فإن ضد الفتح الكسر ، والتاء في قراءة غير حفص مضمومة ، فاحتاج أن يقول : وضم استحق ، ثم قال : وكسره فهو أولى من أن يقول وحاءه لوجهين : أحدهما المقابلة بين حركتي الضم والكسر ؛ والثاني زيادة البيان لقراءة الغير ، وإذا ابتدئت هذه الكلمة كسرت همزتها في قراءة حفص ، وضمت في قراءة غيره ، وأرادوا قرأ - الأولين - في موضع - الأوليان - أو - الأولين - استقر مكان - الأوليان - وأراد بالصلا : الذكاء ، لأنهم يقولون : هو يتوقد ذكاء ، أو أراد : نار الضيافة ، كقوله :
متى نأتنا تلمم بنا في ديارنا * تجد حطبا جزلا ونارا تأججا
وهو إشارة إلى حصول العلم منه ، فموضع صلا نصب على التمييز أو الحال ، مثل : دم غنا ، ودم يدا ، والأوليان على قراءة حفص رحمه اللّه فاعل استحق ، كأنهما استحقا على أصحابهما أن يقيموهما للشهادة ، والأوليان تثنية الأولى ، وهو في غير قراءة حفص مفعول ما لم يسم فاعله ، على حذف مضاف ، أي استحق عليهم إقامة الأولين منهم للشهادة ، وقيل بدل من آخران ، أو من الضمير في يقومان ، أو على تقديرهما الأوليان ، وقيل :
هو مبتدأ خبره آخران المقدم عليه ، أي فالأوليان آخران ، وقيل : هو صفة لآخران ، وإن كان لفظه نكرة ، لأنه قد اختص بالصفة في قوله : يقومان ، ومرفوع استحق على هذه الأقوال غير القول الأول محذوف . أي استحق عليهم الإثم ، فاستغنى عنه بقوله : عليهم ، كما تقول : جنى عليهم ، وقيل معناه استحق خصومهم الحق عليهم ، والأولين في قراءة حمزة وأبى بكر : صفة الذين استحق ، لأنهم أول المذكورين في القصة ، وهم أولياء الميت ، أو لأنهم هم الذين دفعوا الحكومة أولا ، واعلم أن الآية من أشكل آي القرآن تفسيرا وإعرابا وفقها ، قال أبو محمد مكي في كتاب الكشف : هذه الآية في قراءتها وإعرابها وتفسيرها ومعانيها وأحكامها من أصعب آية في القرآن وأشكلها ، قال : ويحتمل أن يبسط ما فيها من العلوم في ثلاثين ورقة أو أكثر ، قال : وقد ذكرناها مشروحة في كتاب منفرد ، قلت : وسأجتهد إن شاء اللّه تعالى في بيانها وكشف غامضها وتفصيل أحكامها في الكتاب [ المذهب في علم المذهب ] أو في كتاب [ إيضاح مشكلات الآيات ] .
628 - [ وضمّ الغيوب يكسران عيونا ال * عيون شيوخا ( د ) انه ( صحبة م ) لا ]
يعنى أن حمزة وأبا بكر كسرا الغين من الغيوب ، لما تقدم من التعليل في بيوت ، ثم أردفه ما اختلف القراء في كسره من هذا القبيل ، وهو عيون المنكر والمعرف ، نحو
( فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
« 1 » -
وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ
« 2 »
)
.
وشيوخا » في غافر ، كسر هذه الثلاثة ابن كثير وحمزة والكسائي وأبو بكر وابن ذكوان ، ومعنى : دانه ، أي دان به ، أي تدين بقراءته ، أي : دان له ، أي : أطاعه ، ملاء بكسر الميم والمد : جمع ملآن ، وهو صفة لصحبة ، يعنى أنهم ملئوا علما ، ثم ذكر موضعا آخر ، فقال :
هامش
( 1 ) سورة الحجر ، آية : 45 .
( 2 ) سورة يس ، آية : 34 .