وقال اللّه تعالى :
( أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا
« 1 »
)
.
وأصل أنا أنى تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا ، فقال : أنا الطعام يأنى إناء ، إذا بلغ حال النضج ، فمعنى قوله تعالى غير ناظرين إناه ، أي غير متحينين وقت نضجه وإدراكه ، فأمال ألف إناه هشام مع حمزة والكسائي ، وأما كلاهما في سبحان ، فوجه إمالة ألفه كسرة الكاف إن قلنا : إن الألف منقلبة عن واو ؛ ولا يضرنا حجز اللام بينهما ، كما أمالت العرب عماد ، وإن قلنا ألفه عن ياء فظاهر ، فلهذا قال : ولكسر أولياء تميلا ، وقياس هذا أن تمال كلتا إذا وقف عليها من قوله :
( كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ
« 2 »
)
.
ولأنها على وزن فعلى عند قوم ، قال الداني في كتاب الإمالة : يجوز إمالتها مشبعة وغير مشبعة ، في مذهب من تقدم ، وعامة القراء وأهل الأداء على القول الأول ، يعنى عدم الإمالة ، واللّه أعلم .
وذكر مكي أيضا فيها الوجهين ، وإنما احتاج الناظم إلى ذكر الإمالة في كلمة كلاهما ، خوفا من عدم دخولها في قاعدة ذوات الياء ، على قولنا إنها من ذوات الواو ، ولم ترسم بالياء ، فنص عليها لذلك ، وإلا فلم يوافق حمزة والكسائي على إمالتها غيرهما ، ولم يذكر من قوله رمى صحبة إلى هاهنا ، إلا المواضع التي وافقهما على الإمالة فيها غيرهما ، مما لو تركه لاندرج فيما سبق ، وأما راء :
( تراءا ) .
فلا اندراج لها فيما تقدم ، فنص عليها لحمزة وحده ، واللّه أعلم .
313 - [ وذو الرّاء ورش بين بين وفي أرا * كهم وذوات اليا له الخلف جمّلا ]
شرع يبين مذهب ورش عن نافع ، وجميع إمالته في القرآن بين بين ، إلا الهاء من :
( طه )
.
فإنها إمالة محضة ، على ما سيأتي في أول سورة يونس ، وصفة إمالة بين بين : أن يكون بين لفظي الفتح والإمالة المحضة ، كما تقول في همزة بين بين : إنها بين لفظي الهمز وحرف المد ، فلا هي همزة ولا حرف مد .
فكذا هنا ، لا هي فتح ولا إمالة ، وأكثر الناس ممن سمعنا قراءتهم أو بلغنا عنهم يلفظون بها على لفظ الإمالة المحضة ، ويجعلون الفرق بين المحضة وبين بين : رفع الصوت بالمحضة وخفضه بين بين ، وهذا خطأ ظاهر ، فلا أثر لرفع الصوت وخفضه في ذلك ما دامت الحقيقة واحدة ، وإنما الغرض : تمييز حقيقة المحضة من حقيقة بين بين ، وهو ما ذكرناه ، فلفظ الصوت بين بين يظهر على صورة اللفظ بترقيق الراآت ، وقد أطلق العلماء على ترقيق الراآت لفظ بين بين ، فدل على ما ذكرناه ، وإن كان الأمر في اتضاحه لا يحتاج إلى شاهد .
قال صاحب التيسير : اعلم أن ورشا كان يميّل فتحة الراء قليلا بين اللفظين .
هامش
( 1 ) سورة الحديد ، آية : 16 .
( 2 ) سورة الكهف ، الآية : 33 .