نقول : لأنه مبدأ للموجودات التامة بأعيانها ، وللموجودات الكائنة الفاسدة بأنواعها . وبالجملة : فان وجود الكل يعود اليه عز اسمه ، وهو قد تعقل ذاته بذاته . وذاته هو صورة الأشياء بالحقيقة على نحو ما علمت ، فيكون إذا عقل ذاته فقد عقل الأشياء كلها على نحو اشرف وأعلى ، فان صورة الكل قد فاضت من لدنه ، والعقل هو فعله الأول وهو لا ينفصل عنه ، فيكون عقله لذاته علة لعقله للمعلول الأول ، على أن ذاته وعقله لذاته شئ واحد « 1 » في الوجود ، فيكون معلوله الأول وعقل الأول له شيئا واحدا من غير تغاير ، والتغاير بنحو من الاعتبار . فالأول إذا عقل ذاته وعقل انه مبدأ كل موجود ، عقل أوائل الموجودات وما يتولد عنها ، ولا شئ من الأشياء توجد الا وقد صار من جهة ما يكون واجبا بسببه ، فتكون هذه الأسباب تتأدى لمصادماتها الأمور الجزئية . فالأول يعلم الأسباب ومطابقاتها ، فان ذاته هي صورة الأشياء على وجه اشرف ، فإنه علة لكل الأشياء وصورة العالم في العالم الاعلى هي نفس العلة . وهي إذا عقلت ذاتها فقد تعقل المعلولات في العالم الاعلى . فهو يعقل الانسان العقلي الغير المختلف ، والنار التي هي حيوة بالفعل . وهكذا يعقل الحركات والسكنات والصور والمواد من حيث هي حية موجودة في العالم الاعلى دون الأدنى ، ولكن انه لا يعقل الأشياء في هذا العالم الواقع تحت الحركة والزمان ، فإنه لو تعقلها كذلك فيكون تارة تعقل منها انها موجودة غير معدومة ، وتارة تعقل انها موجودة غير معدومة ، ولكل من الامرين صورة عقلية على حدة ، ولا واحدة من الصورتين تبقى مع الثانية ، فيكون واجب الوجود داخلا تحت الزمان والحركة .
وأيضا فهذه الأمور ان عقلت على أنها واقعة في هذا العالم ، فان عقلت بصورها فلم يعقل بما هي واقعة في العالم الأدنى ، بل انها واقعة
هامش
( 1 ) - في الأصل : شيئا واحدا .